كم من الآلام تعتصر قلوبنا وتدمع أعيننا ونحن نسمع ونقرأ كل يوم أخبار حوادث المرور وضحاياها بواقع يشيب له الرأس. آلاف الحوادث تتكرر يومياً ولكن بحوار جديد وتصوير مختلف، ولا نعتبر، ولا نغير من واقع تفكيرنا.
لماذا نطلق العنان لتهور يسيطر على عقولنا، ماذا يحدث لنا لو تركنا كل ما يشغل تفكيرنا ونحن نقود السيارة في الشارع المزدحم؟ ماذا يحدث لو استغرق الطريق معنا نصف ساعة إضافية، ولا أقول عشر دقائق من شدة الزحام أو لظرف طارئ في الشارع؟ ألا تعلم يا أخي أنّ القائمين على العمل في الدوائر الحكومية أو الخاصة يقدرون الظروف الطارئة أو الزحام مثلاً، شريطة أن تكون أيها الموظف أو الموظفة صادقا مع ربك أولاً ثمّ نفسك ثم مديرك.
ولن يؤاخذكم أحد على تأخركم وهذا واقع حقيقي وليس افتراضيا، فالعاملون في وزارة التربية والتعليم مثلاً وإن كان توقيع حضورهم على الحاسوب، ولكن للمتأخر خيارات لبيان سبب تأخره منها الزحام مثلاً، فأنا مدرس وسكني بعيد عن موقع عملي جداً لكن مدير المدرسة والوكيل فيها جزاهما الله خيرا، وهما إداريان متفهمان، يقولان لي أيام الضباب أو المناخ السيئ: لا تسرع المهم أن تنتبه وتصل بالسلامة، حتى لو كان بجدولي حصة أولى! وأنا على يقين من وجود إداريين متفهمين في باقي الدوائر والوزارات. وما ذلك إلا حرص على السلامة العامة والنفس البشرية القيّمة.
ويجب علينا ألا ننسى جهود رجال الأمن الأوفياء في الليل والنهار بالمراقبة والمساعدة وحلّ الخلافات والإشراف على تنظيم حركة السير، وخاصة بعض الثغرات التي لم يجد معها حتى الآن الجسور والإشارات أو الأنفاق، ولكن أيها الأخوة يجب أن نعلم أنه مهما كثرت الدوريات وسهرت عناصر الأمن على راحتنا وسلامتنا إنْ لمْ نتعاون معها بضمير حيّ وأخلاق نابعة من ديننا والتزامنا تجاه الآخرين في المجتمع، فلن يكون هنالك انضباط ولا سلامة للجميع. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والمسؤولية المجتمعية والأمنية نحن شركاء فيها وبها.
ومع كل ذلك نرى كثرة المخالفات وازديادها، دون مبالاة أو تفكير بالمسؤولية والنتائج التي ستخلفها. فلمَ أيها الأخوة ومن أجل ماذا هذا الاستهتار وعدم المبالاة؟ ألا يجدر بنا التفكير والتروي قليلاً؟ فمن ينطلق بسرعة من كتف الطريق الأيمن على إشارة مزدحمة ليعود بآخر المسار إلى اليسار معرقلا الصف بكامله من أجل مروره، فماذا يستفيد بضع دقائق فقط، أم هو استعراض ليرى الجميع أنه بطل ومعلم في القيادة؟ ولكن الواقع الذي يجب أنْ يعلمه هذا المستهتر أن أغلب سائقي السيارات المنتظرين بانضباط، ممن تعدى على حقوقهم في أولوية التحرك، سيرمونه بنظرة استخفاف وازدراء وليس إعجابا، هذا إن لم يدعو عليه بغضب.
ومثله أيضا منْ كان على الإشارة المزدحمة وهنالك مخرج لليسار بفتحة مستقلة وهو يقصد المتابعة على الشارع طولا، فنراه يأخذ المسرب الأيسر ويتخطى كل السيارات المصطفة على الإشارة وتنتظر بانضباط وعندما تفتح الإشارة يهب كالريح ولو حرق سيارته لينطلق مسرعا فيكسر على اليمين ليعود إلى مساره الصحيح، فماذا يسمى هذا التصرف ولماذا؟ وكم كنت أتمنى وجود شرطي سير عند هذه الأماكن ليمسك بذلك المستهتر الذي يتحايل على القانون، ويستهتر بحقوق كل من تركهم خلفه من قائدي السيارات.
ولماذا نرى تزايد ظاهرة تجاوزات سيارات النقل الكبيرة والمتوسطة وخاصة عندما يزيد السائق سرعته بصفة جنونية ليتجاوز سيارة أمامه فيخرج إلى اليسار دون مراعاة نظام السير، وبعضهم يبقى على المسار الأيسر يسابق الريح حتى يصل لغايته دون أن يلتفت إلى إشارات من خلفه، ولو كررها له فيعطي مباشرة إشارة ضوئية (غماز لليسار ليخرسه) والجميع يعلم أن هذه المركبات ممنوعة من السير على المسار الأيسر السريع.
وأما حوادث المشاة فحدث ولا حرج وخاصة في الصناعيات، فالقانون يدين السائق بكل الظروف، لكن ما ذنب السائق أمام من يستهتر بحياته ويقطع الشارع بسرعة ويجبر السيارات على التوقف؟ فهل هذا منطقي؟ .
أقترح أن تشمله المسؤولية ولا يدان السائق فقط دائماً، فمثلاً كل منْ يقطع الطريق من غير المكان المخصص للمشاة فهو يتحمل المسؤولية بنفسه وليس السائق، وأما لو وقع الحادث في المكان المخصص للمشاة أو قربه فالسائق يتحمل كل عواقب الحادث. وعلينا أن نذكر أخيراً أنه في التأني السلامة وفي العجلة الندامة وخير ما قاله عليه الصلاة والسلام للجميع.. (لا ضرر ولا ضرار).
محمد أيمن الخطيب ـ أبوظبي
