الحديث مع الإعلامي الدكتور علي قاسم الشعيبي يتسم بالثراء الثقافي والاجتماعي، فشخصيته الحيوية تفتح أبواب الحوار على مصاريعها لتطلعنا على تجربة إعلامية متميزة امتدت لأكثر من سبعة وثلاثين عاما قضاها بين الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، بدأت مع بداية رحلته إلى بغداد حيث عاد منها حاملاً أول شهادة بكالوريوس إماراتية في الإخراج السينمائي.
والشعيبي الذي دعته الدراسة إلى أن يزور بلدان الشرق والغرب حيث شكلت مدن العالم المختلفة محطات في حياته لكل منها تجربة ونكهة مختلفة. فمن بغداد إلى طوكيو ثم نيويورك فالقاهرة تشكل لديه وعي منفتح جعل منه قاعدة في العمل والحياة، لذا تجده يتحدث عن بداية تجربته يقول: كانت بغداد محطتي الأولى في الحياة وفي الدخول إلى عالم الفلسفة والقراءة الجميل، وقد كانت سنواتي الخمس فيها أجمل سنوات العمر، فقد كانت مثمرة جدا على الصعيد المعرفي.
إذ تتلمذت على يد أساتذة كبار في المسرح والسينما، وكنا عشرة طلاب في قسم السينما في أكاديمية الفنون الجميلة، نمت بيننا عادة القراءة المشتركة، وقد شكلنا ما يشبه الرابطة الثقافية حيث تفتحت أمامي أبواب القراءة المستمرة والمثمرة وهناك صديق مغربي في المجموعة نعده بمثابة المفكر بيننا أخذ بيدي وأدخلني إلى دهاليز الفلسفة.
فإلى جانب الدراسة كانت بغداد تمثل لي نقطة التحول نحو الفهم والمعرفة، وفي تلك المرحلة قرأت من الكتب ما يمكن أن أقرأه في عمر كامل، وبعد تلك السنوات الجميلة عدت إلى بلدي لأكون أول إماراتي يحصل على بكالوريوس الإخراج المسرحي.
أين كانت تجربتك المهنية الأولى؟
عملت مخرجاً تلفزيونياً أول في تلفزيون الإمارات العربية المتحدة في أبوظبي، وبعد مدة لم تتجاوز العام سافرت إلى طوكيو في بعثة لدراسة إدارة المحطات التلفزيونية حيث حصلت على دبلوم فيها عام 1978.
ماذا قدمت لك تجربتك في اليابان؟
اليابان تعني الانضباط، وربما هذه أفضل جملة يمكن أن أعبر بها عن هذا البلد المميز، ففي المجتمع الياباني تجد تقديس العمل، كما أدهشتني علاقة المرأة بزوجها التي تصل إلى حد العبودية حيث تنظر إليه ككائن ملائكي وتقدم له كل فروض الطاعة والاحترام، والزاوية المشرقة في هذا الموضوع هو احترام العلاقة الزوجية، وهي تعبر عن مجتمع يحترم ترابطه، فهناك لا تجد اثنين يتزاحمان على طريق أو دور في طابور المستشفى أو السوبر ماركت، لأن كلا منهما يعتقد أن الحق للآخر وليس له، وهم شعب يستحق أن نتعلم منه.
ما هي محطات دراستك التالية؟
عندما عدت إلى الإمارات تحولت إلى العمل في جامعة الإمارات حيث عملت معيداً في كلية الإعلام ومع مطلع الثمانينيات سافرت إلى أمريكا لدراسة الماجستير حيث أكملتها عام 1984 في علوم الإذاعة والتلفزيون بتقدير امتياز من جامعة باتلر بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم حصلت على شهادة الدكتوراه في علوم الإذاعة والتلفزيون بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى من كلية الإعلام، جامعة القاهرة عام 1990.
وقد ذهبت إلى أمريكا بانطباع أن كل شيء يتحرك بأزرار لكني وجدت أشخاصا يعملون بكد وقد مثلت لي تلك الفترة مرحلة الجدية، فهي عالم من المعرفة الواسع بمكتباتها الكبيرة والحياة العملية جداً، فمن يعمل يكسب، وقد كنت أعددت برنامجا بعنوان الطيور المهاجرة ذكرت فيه أن نجاح العرب في أمريكا بسبب أنهم يعملون أكثر من الأمريكيين أنفسهم لذا وجدوا فرصهم المناسبة.
وقد لاحظت أنهم يهتمون باجتذاب الكفاءات، ففي لحظة حصولي على الماجستير تقدم مني عميد الكلية ليعرض علي العمل هناك، أما القاهرة فقد جئت إليها محصناً بالعلم والمعرفة وكذلك محصناً ضد الطبيعة الاستهلاكية، وقد وجدتها كما تخيلتها لذا تواصلت مع نبض الشارع المصري ومع المفكرين والكتب والحضارة الجميلة، وقد منحتني مصر الكثير من الأمن على المستوى النفسي والمعنوي، وفي القاهرة بكيت على واقع الإنسان هناك، فهذا المبدع الذي استطاع أن يوصل صوته إلى كل المحافل يعاني كل تلك المعاناة ولا تتوفر له أبسط سبل الحياة.
أخبرنا عن تجربتك المهنية؟
كانت تجربتي في التدريس الأكاديمي في جامعة الإمارات حيث كنت أول رئيس قسم إعلام مواطن في الجامعة، إضافة إلى أني عملت مخرجاً منتدباً لوحدة الإنتاج السينمائي في وزارة الإعلام والثقافة في الإمارات، ومديراً عاماً لمركز دبي للأعمال الفنية خلال الفترة 1992-1998، ومديراً لإدارة الاتصال الجماهيري بالقيادة العامة لشرطة دبي عام 2001 ، وأقوم بالتدريس في جامعة الشارقة وفي كلية الشرطة في أبوظبي إضافة إلى كتابتي المتواصلة في الصحف، وإعداد وتقديم برامج تلفزيونية مثل: «قضايا وآراء»، و«حلقة وصل»، و«الطيور المهاجرة»، و«حوارات في الفن والفكر والثقافة»، و«خارج السرب».
هل حققت طموحاتك في مجال الإعلام؟
قبل كل شيء يجب أن أقول إني من الناس الذين حصدوا شوكا لأني كنت صريحا وكنت أعزف على المسكوت عنه في السياسة والثقافة والمجتمع، والمسكوت عنه أقصد ما نتجاهر به في حواراتنا مع الأصدقاء ونسكت عنه أمام المسؤولين، فقد تعلمنا أن نفعل ما لا نقول ونقول ما لا نفعل، وقد كنت أتحدث عن الإنسان في بعده الإنساني، وتجربة 37 عاماً في الإعلام علمتني التحدي وربما لم أحقق من المناصب ما حققه غيري لكني حققت قناعاتي في أن أكون لاذعاً في الحق، وصراحة الحق جريمة في العالم العربي.
كيف تفسر عملك حالياً مديراً للمستشفى التخصصي الكندي؟
عملت مستشاراً إعلامياً للمستشفى إثر مشكلة له مع الإعلام وبعد حلها عرض علي الأخ محمد راشد الفلاسي رئيس مجلس إدارة المستشفى أن أقوم بمهام المدير وقد ترددت في البداية لأني أدرت مؤسسات إعلامية وليس مستشفى، لكنه أقنعني وقال لي إن هذا الأمر يمثل تحدياً يجب أن تخوضه، ومن حيث المبدأ تكون أسس الإدارة واحدة وقد سهل الأمر أن هناك مجموعة مدراء منهم المدير الطبي والمدير المالي وغيرهم فلا تكون صناعة القرار فردية أو عشوائية وأعتقد أني تأقلمت مع العمل وشعرت بروح التحدي فيه.
كيف كان أثرك في طلبتك الذين درّستهم الإعلام؟
أستطيع القول بجد أن طالباتي وطلابي الذين درستهم كانوا من أجمل الطاقات الإعلامية التي ظهرت في تلفزيونات المنطقة وأشعر بالفرح حين أرى نجاحاتهم، لكن المشكلة أن بعضهم لم يصمد أمام الفرص في الأماكن الأخرى لأنها قدمت لهم احتضانا ماديا ولا ألومهم على ذلك، ولكني أرى أن الإعلامي موقف وكنت أريد أن أصنع إعلاميين ينقلون عذابات الناس وعودت طلبتي أن يكونوا شركائي في صناعة موضوع المحاضرة.
حدثنا عن تجربتك مع الأسرة؟
أنا أب لولدين وبنت، وكوني رجلاً محدود العلاقات فمعظم وقتي يكون مع أسرتي ولكن الدور الأهم في تربيتهم هو لوالدتهم، ولكني أحاول استغلال أي فرصة لأكون مع الأسرة خاصة أيام الجمع حيث أكون سيد المطبخ ووجبات الأسرة في ذلك اليوم، وهو أمر يشعرني بالرضا كوني قريبا من أسرتي فالأولاد أصدقائي بينما البنت قريبة جدا مني وهي صديقة والدتها وكثيرا ما كنت شاهدا على الصراع بينهما لكني لا أتدخل إلا لتهدئة الأمور، وأود أن أنبه إلى جزئية بدأت تختفي بين العائلات وهي تناول الطعام الأسري لأن تلك الفعالية تسهم في زراعة القيم التربوية والتواصل بين الأهل وأبنائهم لذا أحرص على هذا الأمر داخل أسرتي.
لو عاد بك الزمن إلى الوراء كيف تبدأ حياتك المهنية وهل كنت ستختار الإعلام؟
لو عاد بي الزمن إلى الوراء لعدت إلى بغداد ودرست فيها واستعدت تجربتي بما فيها من أشواك ومصاعب، فالإعلام رسالة لابد من توصيلها بقناعة حقيقية.
دلال جويد

