لحسابات التأثير معايير خاصة، وهي تختلف من جيل لآخر لأن لكل جيل اعتباراته، ولكن في هذه الأيام يبدو أن لجيل الشباب النصيب الأكبر في إحداث التغيير والتأثير على العالم.
وهو ما نلمسه في قائمة أقوى 100 شخصية عربية تأثيرا في العالم، التي أعلنت عنها مجلة «أرابيان بيزنس» في مارس الماضي، وضمت العديد من الأسماء المعروفة. وفي معرض الحديث عن الشباب فقد كان لمصممة الأزياء الإماراتية الشابة رابعة زارغاربور أو كما تعرف باسم «رابية زي» مكان فيها، حيث دخلتها إثر فوزها بجائزة العام الإقليمية لمنطقة الخليج والشرق الأوسط التي نظمها المجلس الثقافي البريطاني لمصممي الأزياء الشباب العام الماضي، وهو ما سلط الأضواء عليها. لقد استطاعت رابعة أن تصنع الفرق، باستخدام ذكائها وإبداعها في تصميم أزياء تعكس جمال المرأة المتحجبة لتضعها على محك خطوط الموضة العالمية، رافعة بذلك شعار «أناقة عالمية محتشمة»، ما قادها إلى تمثيل منطقة الخليج في أروقة أسبوع الموضة في لندن الذي عقد في أبريل الجاري.
أصل الحكاية... حكاية رابعة مع تصميم الأزياء بدأت عندما قررت ارتداء الحجاب أثناء إقامتها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، حيث وجدت صعوبة في العثور على ملابس تفي بالغرض، ومن هنا لاحظت وجود الكثير من أمثالها ممن يواجهن ذات التحدي، وقررت أن تبدأ بتصميم أزياء عصرية للمرأة المسلمة تحاكي فيها خطوط الموضة العالمية بألوانها وأشكالها. تقول رابعة التي درست إدارة الأعمال في أميركا: «تصميم الأزياء هوايتي منذ الصغر، ولكني لم أدرسها كتخصص إنما حاولت تطويرها من خلال الدورات التدريبية، واستطعت أن الفت نظر المحيطين بي حول طريقتي في وضع الحجاب وتنسيق ملابسي، فصاروا يطلبون مساعدتي، وأعتقد أن هذا ما دعاني لتحويل الموهبة إلى مهنة، وقد اكتشفت بعد إطلاقي لموقعي الالكتروني عام 2002 مدى حاجة السوق للأزياء المحتشمة بطريقة عصرية». وأعتقد ـ تقول رابعة ـ «انه لولا إقامتي في الولايات المتحدة لما استطعت أن احدث الفرق، فالتحديات التي واجهتني هناك كان لها كبير الأثر في صياغة فكرتي ومشروعي، الذي ساهم بطريقة غير مباشرة بتجميل صورة الإسلام في الإعلام الغربي، وبتقديري إنني لو عشت هذه الفترة في دبي لما تمكنت من ذلك لان الفتاة المسلمة لا تواجه مشكلة في اختيار أزيائها كما في العالم الغربي».
حضن دبي وأسبوع لندن... قبل نحو عامين عادت رابعة برفقة زوجها وولدها لتقيم في حضن دبي، وقد عرضت أولى مجموعاتها في أسبوع دبي العالمي للأزياء الذي مثل طاقة القدر بالنسبة لها، حيث تخللته مسابقة دولية للمواهب الشابة العاملة في مجال الموضة، وقد فازت بها رابعة واختيرت لتمثيل الإمارات ودول الخليج في أسبوع لندن الدولي للأزياء في العاصمة البريطانية.
تجربة لندن
وحول تجربتها في لندن تقول رابعة: «أرجع السبب في اختياري ليس فقط لفوزي بمسابقة المواهب الشابة، وإنما لأصل الفكرة التي أعمل عليها، فهي جديدة في عالم تصميم الأزياء، وقد جذبت جميع وسائل الإعلام المهتمة بالأزياء، وهناك لمست شغف الذين تابعوا عروضي في أسبوع لندن للموضة، وأجمل تعليق سمعته هناك كان من فتاة غير محجبة حيث قالت لي بأنها المرة الأولى التي تشعر فيها أن الإسلام جميل، حيث تظهر الملابس المحتشمة جمال المرأة، وهذه هي المرة الأولى التي أرى فيها أزياء تغطي الجسم بأكمله»، وتواصل رابعة: «لقد اثر هذا التعليق في نفسي كثيرا فقد شعرت بأنني استطعت أن ارسم صورة جميلة عن الإسلام في الغرب تختلف كليا عما هو موجود حاليا، واعتبر ذلك انجازا كبيرا لي».
وتستأنف رابعة: «في أسبوع لندن للموضة، سألني الكثير من مندوبي وسائل الإعلام عن سبب التزامي لخط واحد في تصميم الأزياء، ولماذا لا اعمل في أكثر من اتجاهين بحيث أقدم أزياء لغير المحجبة، وكان جوابي على ذلك، بأن هناك الملايين من مصممي الأزياء والعلامات التجارية التي تهتم بالفتاة غير المحجبة، وفي المقابل لم أجد واحد منهم يهتم أو يفكر بمتطلبات الفتاة المحجبة والتي تطمح لمحاكاة خطوط الموضة العصرية في ملابسها، وإن أرادت ذلك فعليها أن تزور العديد من المتاجر لتتمكن من تجميع رداء واحد يحفظ جسدها».
لا تقيد رابعة نفسها بخطوط الألوان العالمية، بل تلجأ إلى التنويع، وتعتمد الأسلوب ذاته في الموديلات لتخرج من بين يديها قطعاً عصرية لا تتعارض مع الحجاب، وتنفي بان يكون هدفها التشجيع على استبدال العباءة بملابس أخرى، إنما توفير خيارات أخرى من شأنها أن تساعد المرأة المحجبة خلال عملها وأسفارها أو إقامتها في بلد غير إسلامي. وخلال إقامتها في دبي، استطاعت رابعة أن تبتكر طرق عديدة لوضع الحجاب والتي لا تتعارض مع حرارة الجو، بالإضافة إلى تصاميم تعمل على إخفاء مختلف تفاصيل الجسم وتحافظ على أسلوب عصري في متابعة خطوط الموضة العالمية.
الإعلام لخدمة الهدف
ومن جهة أخرى تشير رابعة إلى أنها استطاعت بفكرتها أن تحقق شهرة واسعة في أميركا وأوروبا، وهو ما وضعها تحت أضواء الإعلام الغربي، الذي حاولت أن توظفه لخدمة هدفها بإظهار الوجه الجميل لديننا الحنيف لغير المسلمين، إلى جانب التأثير في اتجاهات الشباب أنفسهم، وهو ما أدخلها في قائمة أقوى 100 شخصية عربية تأثيرا في العالم، والتي تعتبرها انجازا كبيرا لعلامتها التجارية، كما تخبرنا رابعة بأنها دعيت لان تكون متحدثة أمام المشاركين في منتدى العالم الإسلامي للاقتصاد 2009 والذي سيعقد في جاكرتا بحضور رؤوساء ومسؤولي الدول الإسلامية، وتردُ رابعة ذلك إلى ما أحدثته فكرة مشروعها من تأثير في العالم، وتذكر لنا أيضا انه تم اختيارها للمشاركة في فيلم وثائقي سيعرض في مهرجان كان السينمائي 2009 والذي يتحدث عن مسيرة مصممات الأزياء وطبيعة التحديات التي يواجهنها في هذه المجال.
ويبدو أن العام الجاري سيكون مزدحما بالنسبة لرابعة، فهي تسعى جاهدة إلى ترويج علامتها التجارية «رابية زي»، عبر توفيرها في منافذ بيع مختلفة حول العالم، وقد بدأت خطتها مع محلات سبلاش التي أعلنت في الآونة الأخيرة بدء رحلتها في البحث عن المواهب الشابة، التي تستهدف اكتشاف المصممين والفنانين المبدعين من الشباب من خلال تخصيص مساحة مجانية تصل إلى 500 قدم مربع للبيع بالتجزئة في متجرها الجديد بالواحة سنتر بدبي بشارع الشيخ زايد. وقد اعتبرت رابعة ذلك فرصة ذهبية لتكشف فيها عن تشكيلتها الجديدة التي تحمل اسم «روبي» وتضم مجموعة أزياء تجمع بين سمات الأناقة والحشمة للمرأة المسلمة العصرية، وتمكنت فيها من الجمع بشكل متقن بين الكلاسيكي والعصري الأنيق والصور الظلية الأنيقة والعملية، وفي ذلك تقول رابعة: «لقد وجدت دعمًا وقويًا من «سبلاش» منذ مشاركتي في مسابقة المواهب الشابة حتى عرض مجموعة أزيائي في متجر الماركة بالواحة سنتر، فقد كانت صادقة في وعدها بتوفير منصة للمصممين الجدد الموهوبين لإثبات إمكاناتهم الإبداعية مع إيجاد الأجواء المناسبة لهم لتحقيق أحلامهم».
إضاءة
خرجت أحلام رابعة إلى العلن بعد فوزها بالجائزة الأولى في المسابقة الإقليمية لدول الشرق الأوسط (دول مجلس التعاون الخليجي واليمن والعراق) التي أطلقها المجلس الثقافي البريطاني بهدف اكتشاف المواهب الشابة العاملة في مجال الموضة، حيث توفرت في رابعة جميع المواصفات المطلوبة من ناحية الشخصية، والعزيمة، والرؤية، والقدرة على أن تصبح رائدة في مجالها، وقد أهلها هذا الفوز إلى عرض أزيائها في أسبوع لندن للموضة، والذي يعتبر احد منصات عرض الأزياء المهمة في العالم.
وتتضمن تصاميم رابعة تشكيلة واسعة من الأزياء «الهيبية» العصرية الأنيقة، وأزياء «البوهو»، والأزياء الرسمية الفاخرة، والألبسة العمليّة وفساتين السهرة، وتعتبر رابعة المصممة الأولى التي جمعت في أزيائها بين الألبسة الرياضية الأنيقة والزي المحتشم.
غسان خروب



