وادي العبقرية أو وادي عبقر وادٍ سحيق يقع في نجد وقيل في مكة، والعبقرية إنما هي نسبة إلى هذا الوادي الذي قيل إن من يمسي فيه ليلة جاءه شاعر أو شاعرة من الجن يلقنه الشعر، ذلك أن شعراء الجن تسكنه، وقيل إن شعراء الجاهلية كان لكل منهم قرين من الجن يلقنه الشعر!
وادٍ عبقري فعلاً! له عظيم الأثر على الطلاب الذين باتوا يأسا وعجزاً يبحثون عنه طلبا للعبقرية، فما أن سمعوا بوجود «لافظ بن لاحظ» (واحد من الجن الذي قيل إنهم يسكنون عبقر) حتى هبوا إليه باستماتة، استماتة تكاد تأكل العقول وتنخرها نخر الدود الخشب، يستميتون، لمَ؟
إنهم يفعلون ذلك قلة خبرة منهم، يظنون أن كل موجه وكل معلم غير معلمهم في المدرسة سيفيدهم، يأملون أن يستطيعوا توقع الأسئلة التي سيوافَوْن بها في الامتحانات، يرجون من الله رجاء التائب أن يفيدهم الحفظ في القليل، وقد كان من قبل لا شيء غيره يفيد، يرجون رجاء الخائب، فهل من حق الطلاب إنكار درجات الفصل الأول التي حصلوا عليها في الامتحانات؟ هل من حقهم الاعتراض على نسبة الخمسين بالمئة التي ستؤخذ من نسبة الفصل الأول والتي تمثل نصف النسبة النهائية؟ هل هناك فجوة بين فهم الطلبة لمطالب الوزارة وبالتالي للتخصصات الجامعية؟
الخطر كما يبدو لي على الطلبة من الأفكار المسبقة التي كونوها عن النظام التعليمي، فما أن حلت عليهم المناهج الجديدة حتى بحثوا - بعين الذبابة عن السلبيات، وإن كانت هذه عادة اجتماعية فإنها أيضاً ذات تأثير على التعاطي مع المنهاج، فمن الطبيعي ألا تتجاوب كثيرا مع أمر سمعت عن سلبياته كثيرا! أما الأفكار المسبقة التي أتحدث عنها فهي أن الطالب يظن أن الفهم الكافي لحل الورقة الامتحانية يتأتى عن طريق المدرس الخصوصي أو الدروس الخصوصية التي يعدها الموجهون، ولكن، هل فكر الطالب في الفرق بين المعلم المدرسي والمدرس الخصوصي والموجه؟
إن الفرق يكمن في كون المدرس (المعلم المدرسي) يعلّم مجموعة من الطلاب تحت إشراف الوزارة ووفق المنهاج المدرسي ويقيم الطلاب من عدة نواح موضوعة في لائحة التقويم، والمدرس الخصوصي هو نفسه المعلم المدرسي ولكن بأسلوب مختلف يرجع إلى الاختلاف الطبيعي بين المعلمين في طريقة تدريسهم طارحين عنه التقويم والامتحان والعدد الكبير للطلاب، أما الموجه فهو المسؤول عن توجيه المعلمين فيما يخص عملهم.
ونسبة إلى طبيعة عمله فإنه لا يتعامل كثيراً مع الطلبة، وعليه فإنه قد يوافي بالأفكار العليا التي تتعلق بالمنهاج ولكن، أن يوصلها إلى الطلبة فهذا أمر قد يصعب عليه إلا إذا كان يمارس إعطاء الدروس الخصوصية من مدة طويلة، فإذا أراد الطالب الفهم عليه بمعلمه في المدرسة، وإن عجز فإلى الخصوصي ولا ينسى في ذلك اجتهاده الشخصي، ولكن الموجه إنما هو طارح للأفكار وليس معلماً من الألف والباء، هو ليس (أباً) صبوراً على أبنائه، هو موجه هنا، وكم وجدت من صعوبة لدى تدريس أختي (في الصف الأول) عمليات الجمع والطرح!
وعن الحفظ الذي اعتاده الطلاب، والذي خانهم في الفصل الأول، فليس لنا إلا أن نشكر الوزارة أنها أخرجتنا - نحن الطلاب - من هذا السرداب البائس، حتى إن كانت النتائج سيئة على المدى القريب؛ لأنها مثمرة على المدى البعيد، لأن الطلبة لن يجدوا سوى طريق الفهم للوصول إلى النتائج المرجوة، وهذا سيولد النتائج الذهبية، إنه المثلث الذهبي، تحقيق نضوج الطلبة واستعدادهم للإنتاج سواء الفكري أو التقني، تحفيز الدافعية لديهم للبحث والتطوير، تكوين الخبرة الكافية للدخول إلى الجامعة والتدريب على المستويات العليا، وإن كانت هذه النتائج تبدو في ظاهرها أكبر من الواقع، فإنها - برأيي- ستكون ممكنة جداًّ مستقبلاً أما الآن فقد تتحقق ولكن بنسب ضئيلة قد لا ترى بالعين المجردة، لكن أن تنعدم ثلاثة بنود المثلث الذهبي فمستحيل.
لذلك فإن إنكار درجات الفصل الأول لا يسمن ولا يغني من جوع، وليس من الاعتراض عليها سوى الثرثرة والرسم على الهواء. في حين أن ما يتعلق بالنسبة المقتطعة من درجات الفصل الأول فإنه لا يمكن الوقوف حياداً بصمت، لأن هناك نقاطاً مهمة يجب ذكرها قبل صدور القرار الأخير بهذا الشأن، وننتظر من وزارة التربية والتعليم وضع هذه النقاط في الحسبان.
أول هذه النقاط يتعلق بالتغييرات في المنهاج الجديد. فقد تمت عدة تغييرات خلال العام الدراسي مما سبب إرباكاً للطلبة، وأنا هنا أخص طلبة الثانوية العامة، منها مثلاً امتحان اللغة الإنجليزية الذي صدرت صيغته قبل مدة ليست طويلة من موعد الامتحان، حيث ركز المعلمون على التدريس وفق متطلبات امتحان السيبا، ثم صدرت نسخة قبل الامتحان بصيغة الامتحان الاعتيادية، وهو امتحان تجريبي، وغير ذلك فيما يخص المشاريع والتقارير المطلوبة، التي تلغى ثم تقرر ثم تلغى، وعلى هذا المنوال، كما حدث بالنسبة لمادة الأحياء للقسم العلمي.
ثاني هذه النقاط تتعلق بعدم وجود امتحانات تجريبية ونموذجية. فلم يتدرب الطلبة على أسلوب الامتحانات مما ترك صدمة على الطلبة، ولم توجد نماذج تحاكي الامتحانات التي تقدم لها الطلبة، والامتحان التجريبي الذي وضع في الموقع الإلكتروني لإحدى المناطق التعليمية بخصوص مادة الرياضيات للقسم العلمي مثلاً، وضع قبل يومين من موعد الامتحان فلم يسمع به إلا طلبة المدرسين الخصوصيين! وكانت تعليقات بعض الطلبة على هذا الامتحان أنه لم يكن يشبه الامتحان الفصلي إلا في قليل، وبرز ذلك في نتائج الطلبة المطلعين على الامتحان.
لذا فإني أجد أن نسبة الخمسين بالمئة التي ستدخل ضمن تقييم طلبة الثانوية العامة وبما تحمله من عيوب ذكرتها في نقطتين سابقتين لن تكون عادلة لتقييمهم، قد تكون نسبة الخمسة والثلاثين هي الأقرب، ولا أقصد تحديدا للنسبة، بل أقصد عظم تأثير النقاط السابقة على نتائجنا نحن الطلبة.
إن ما يبدو من ردود أفعال الطلبة على ما كان من نتائج أودت بآمالهم الفصل الأول، المقت والاعتراض، ولكني أجد أن هذه الأفعال الانعكاسية والمتوقعة عن الطلبة غير موزونة جيداً، ولمَ نقول جيدا، بل غير موزونة تماماً، كل ما أخذ بعقولهم إثر الصدمة من الدرجات أن «ليس هذا ما كنت أريد أو أرجو أو أتوقع»! حسناً، ذلك يبين بوضوح وجود هوة كبيرة بين الطالب ووزارته، لا يعرف الطالب أن الوزارة تريد رفعة الوطن، والوطن لا يرتفع إلا بارتفاع فكر أبنائه وعقولهم، الوزارة تبني العقول.
وهذا ما لم يصل إلى الطلبة حتى الآن، وإن كنتَ طالبا فلا بد أنك ضحكت على الجملة السابقة، لكنها الحقيقة، هذه المناهج العالمية المترجمة والتغييرات الكثيرة وإن حملت سلبيات فإنها للتطوير، ولا يعقل أن تأتي الوزارة فجأة بمنهاج إيجابي مئة بالمئة! فعلى الطالب أن يفهم الوزارة لأنها وإن حاولت الوصول إليه فلن تستطيع لأن الأفكار المسبقة لدى الطالب والنزعة إلى الشغب تحول بين وزارة التربية والتعليم وبين طلابها.
من الغريب ظن الطالب أن الدرجات العالية من حقه، وأن لا يرضى بسواها؟! والغريب أيضاً بعض الطلبة الذين ينساقون خلف التيارات دون فهم كافٍ، فأينما قيل «تسقط الوزارة» اتجهوا لأنهم يجدون في ذلك رَفعاً لدرجاتهم، وبالتالي فوزاً سهلاً وهم في هذا أشبه بمن لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فأرجو من هؤلاء إعادة النظر فيما ينساقون وراءه علَّهم بقليل من التفكير يعودون من الطرق المظلمة.
و الواقع يقول ـ وهو ليس مرادفاً للمرارة أنه لا «لافظ» عنكم ولا «لاحظ» سواكم، فيا طلبة بها تبني الأوطان، ويا عقولاً يوزن بها الإنسان، ليس في وادي عبقر ولا عبقرية عنتر، إنما بالحوار الجاد، والعمل والاجتهاد تجدون المراد. ويا وزارة تمثلنا وتحدد مستقبلنا ابقي دائما الأذن التي لا يصيبها الصمم، والصرح الذي لا يمكن أن ينهدم.
زلفى عبدالله رشيد ـ الفجيرة
