ما أروع هذه الثقافة التي يحاول البعض أن ينتقص منها أن تكتب البسلمة لوحدها بآلاف الطرق والأشكال؟ وهنا لا ينبغي أن نتعجب حين امتدت الحضارة العربية الإسلامية إلى فرنسا وايطاليا وإسبانيا وشواهد بواتييه وباري وغرناطة ما زالت شاخصة.
ولم يخطئ أحد النقاد الغربيين وهو يصف الفن العربي الإسلامي بقوله «إن الخطاطين العرب والمسلمين كانوا من بين أفضل أولئك الذين تمكنوا من تحويل أناملهم إلى عدسات»، وها نحن أمام أنامل جاءت من ثقافات مختلفة من الباكستان وإيران وتركيا والصين ومن جميع أنحاء العالم العربي لكي يرسموا البسملة كل على طريقته، ولا نغالي إن قلنا بأن عبارة «بسم الله» تحتل مكانة رفيعة في الثقافة العامة للمسلمين، فهي تعد آية فريدة من آيات الوحي كانت وتشكل مدخلا للتأمل والتفكر في إبداع الخالق، وهي تمثل «اتصالا لا ينقطع بالله»، وعبرت فنونهم عن تلك المكانة بالخط الجميل الذي زين المساجد والبيوت والأسواق.
ومنذ صدر الإسلام وحتى الوقت الحاضر حظيت البسملة باهتمام استثنائي من قبل الخطاطين، ويتجلى ذلك في المعرض المقام بمركز الخط العربي في دبي والذي تشرف عليه هيئة الثقافة والفنون والذي يجسد أصول الخط العربي وضبط قواعده في الحركات والمهارات التي تقدم تشكيلات وتكوينات، وتقوم اللوحات الحالية بتوظيف البسملة في هيئات وأشكال فنية وفي مختلف مجالات التزيين المعماري والزخرفي إلا ان هنالك بعض التكوينات المبالغة في إظهار الجانب الزخرفي التزييني مع ظهور خلل في إبراز الجانب القرائي مثل اللوحة التي نفذها الخطاط الصيني.
ويمكن أن نكتشف من خلال قراءة لوحات المعرض التكوينات الخطية والضبط التقني والبنية الجمالية التي تعكس ذائقة متقدمة على مستوى الإنجاز الخطي، واستطاع الخطاطون أن يحولوا البسملة إلى ميدان رحب للإبداع في ميدان الخط العربي والتزيين الزخرفي، فنلاحظ سعي الخطاطين إلى ابتكار مختلف الأشكال الخطية بغية الوصول بها إلى قمة هذه التكوينات لكونها تحمل لفظ الجلالة بين كلماتها وكيفية خطها، ومعرفة خصائص حروفها في كل أنواع الخطوط العربية.
ويكشف لنا المعرض عن اتجاهات تصميم البسملة في الخطوط العربية كميدان للابتكار وتغيير بنية الحروف والتصرف بأشكالها وفق ما يحفظ شخصيتها، وحاول الخطاطون في لوحاتهم المعروضة أن يمزجوا بين الخط العربي والزخرفة وتوظيف هذه الزخارف على بنية حروفها وأرضيتها أو فضاءاتها، وقد أبدعوا في مختلف أنواع الخط العربي في الثلث والنسخ والتعليق والديواني، أما التصاميم والتكوينات فقد تم تنفيذها بالحبر والألوان على الورق.
وتنوعت اللوحات المعروضة بين الخطوط الموزونة كالكوفي والمربع والمضفور، والخطوط المنسوبةـ كالثلث والنسخ والتعليق والديواني والديواني الجلي.
وفي هذا المعرض تنوع خط البسملة عبر العصور وبكافة الخطوط والتي كتبت على الورق وتميزت تصاميم البسملة بالخط الكوفي كون حروفه هندسية.
وتمكن الخطاطون الذين استخدموا هذا الخط بالذات أن يصلوا إلى تكوينات وأشكال مربعة ومستطيلة أو دائرية، وهناك لوحات اعتمدت بشكل رئيسي على تداخل الحروف وتشابكها وتوظيف أجسام الحروف ذاتها مستفيدين من قابلية الحرف العربي على التركيب والتداخل والتشابك مما اظهر اتجاها لتوظيفها وفق تكوين متقابل ومتناظر.
ومن المشاركين المتميزين في المعرض الحاج نورالدين مي جوان جيانج، من مواليد إقليم شاندونج بشرق الصين سنة 1963، وحصل على الإجازة في الخط العربي من مصر العربية 1997 وهو أول مواطن صيني ينال مثل هذه الإجازة، ويؤكد بأنه يسعى إلى توليد تراكيب فنية يصوغها من استيعابه لفن الخط العربي، وما يتوفر عليه الحرف العربي من إبداع ويمزجه بالحرف الصيني.
أما الخطاطة الإماراتية فاطمة سعيد، فتؤكد «بعد دراستي فن الخط العربي لدى الدكتور صلاح شيرزاد التحقت بدورة في خطي الثلث والنسخ لدى الأستاذ الشيخ حسن جلبي ودورة مكثفة لدى الشيخ حسن والخطاط داود بكتاش اتبعتهما بدراسة فن التذهيب لدى المذهبة صائمة جلبي.
وتعلمت بجانب فن الخط توزيع وقتي بحيث أمارس التمرين اليومي وهذا شيء أساسي بالإضافة إلى إعداد الأعمال الفنية مع مطالعة الكتب والمراجع والكتالوجات الفنية، ومتابعة المعارض ومواصلة المراسلة مع أستاذي الشيخ حسن جلبي، وإن آفة فن الخط والزخرفة هو الانقطاع عن التمرين، وكانت نصيحة أستاذي لي دائماً هي مواصلة التمرين، والإطلاع الدائم عن الأعمال الفنية للخطاطين الكبار».
شاكر نوري



