ذات يوم أفقت من نومي على صوت رياح شديدة وقوية، جعلتني أسمع صفير ريحها كأنه كلام يترجم لي فيخبرني عن وفاة أغلى الناس على قلبي. اهتز كياني، شل لساني وأنا بحاجة للكلام، جفت دموعي وأنا بحاجة للبكاء، لم أسمع سوى دقات قلبي وصفير الرياح التي انتشلت أوراقي، بعدما انتظرت وحلمت بساعة اللقاء، وعندها أصبحت غصنا بلا أوراق.
رفض غصني البقاء، جال في البلاد باحثا عن أي ورقة تريد البقاء.
التقى بكثير من أوراق وغرباء، ومن كل ورقة تعلم غصني أشياء وأشياء. تعلم أن الصداقة تعرف برموز الوفاء، وأن حدود الصداقة أبعد من كلمات تقال. تعلم أن ينظر إلى الورد كلما ضاقت نفسه، ولكنها في الوقت نفسه علمته أن يبتعد عنه حتى لا يجرح نفسه بأشواكه، أدرك غصني انه يمتلك أشياء كثيرة لا يعلم قيمتها، كأن يتلقى الضربات فلا يدعها تكسره، تعلم غصني أن يكتم ألمه بداخله، وتعلم أن الإنسان الذي ألمه في لحظة ليس هو الإنسان الذي عرفه سنينا.
علمتني أوراقي التي جمعتها من رحلة عمري الخريفية الكثير والكثير، وأهمها أنها أخبرتني من أنا، لكن الرياح الشديدة عادت وصدمتني، وانتزعت أوراقي الخريفية وأخذتها بعد أن علمتني معنى وجودها على أغصاني، وبعد أن وعدتني بالبقاء، وقفلت الأوراق راحلة ومجبرة وبلا وداع، تركتني مرة أخرى غصن بلا أوراق.
هي الحياة، تلقي بنا فيها، ثم تأخذنا منها بلا سابق إنذار، تسعدنا للحظات، وتبكينا في لحظات، تؤلمنا لفترات ثم تتركنا في الواقع سنوات. لحظات تجعلنا نكرهها ونتمنى أن تخرجنا منها، لكنها تفرض علينا البقاء لسنوات، تلهينا بها وفي غفلة تأخذ كل شيء دون سابق إنذار وتتركنا مجددا غصن بلا أوراق.