لم يتفق الباحثون حول تعريف محدد لمصطلح «القيم»، وتباينتم آراؤهم على تحديد معنى جامع أو تعريف معين له، ولهذا يتناول هذا المصطلح حسب معرفة المختصين أو الباحثين كل حسب اختصاصه، أو حسب انتمائهم إلى مجتمعاتهم وطبيعتها الفكرية والثقافية، ونظرتهم إلى الفرد والكون والحياة مما وسع دائرة الاختلاف بينهم في تحديد تعريف معين لهذا المصطلح.

ولكن القيم في المفهوم الفلسفي يقصد بها المعاني التي تضبط مسالك الإنسان في مسيرة حياته وهي: الحق والخير والجمال، وتتفرع منها معان كثيرة ومتعددة ومنها على سبيل الذكر لا الحصر: العدل والسلام والحرية، وفي مقابل ذلك تأتي أوجه أخرى لها دور في تحليل حياة الإنسان الواعية وهي: الإدراك والسلوك والوجدان.

فالإدارة يفترض أن يكون صحيحاً خالياً من التضليل أو التحريف حتى يجيء السلوك صحيحاً وسليماً، وحينها تتجلى قيمة الحق، بمعنى أن القيم متداخلة في بعضها، فالإنسان بفطرته ينشد الحق ويبني علومه عليه، أما السلوك فهو مقياس صواب الخير الذي يعتبر أحد القيم الأساسية في الإنسان لا غنى عنه حتى وإن اقترف الإثم أو فعل الشر.

و«القيم» من أكثر سمات الشخصية تأثيراً في الثقافة العامة التي يعيش فيها الإنسان، وبناء على ذلك فإن المصدر الأساس للقيم هو ثقافة المجتمع، ومصدر هذه الثقافة في مجتمع ما هو تاريخ ذلك المجتمع وتراثه الذي ينقل من جيل إلى آخر من خلال التربية والتنشئة الاجتماعية، وبذلك تعتبر التنشئة أو التربية هي الوسيلة لأي مجتمع في المحافظة على قيمه الأساسية في كل جيل يتلو الآخر، كما أنها تسهم في التعديل والتطوير إن تطلبته أي مرحلة أو حقبة.

ومن هنا يجب أن نعي ونفهم مدلول المحافظة على القيم من الضياع أو الغزو للقضاء عليها، لأنها أساس ثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا، ولا نعتقد أن العولمة التي كانت نتيجة للانفتاح جاءت هذا دون غاية، بل غايتها إلغاء القيم الإنسانية وتاريخ وثقافة وحضارات الشعوب، لتحل محلها حضارة وثقافة واحدة أطلق عليها العالمية.

ودللت باسم العولمة، إذن يجب أن نحافظ على قيمنا في ظل تنامي ما يسمى بالعولمة أو الانفتاح، فلا يمكن أن نعيش في قوقعة دون أن ننفتح على الآخرين، فهذا منطق غير صحيح ويتنافى مع تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، ولكن الصحيح كيف يمكن أن نحافظ على قيمنا وعاداتنا وتراثنا وثقافتنا في ظل التعايش مع الثقافات الأخرى، وأن نؤثر في الثقافات الوافدة إلينا أكثر من أن نتأثر بها.

غازي الصبيحي ـ دبي