في واحد من المقاهي الجميلة في منطقة السلطان أحمد في مدينة اسطنبول جلس إلى جانبنا في الصيف الماضي زوجان مسنان من مدينة بوسطن الأميركية، وبدأت إحدى طفلتي مد جسور التواصل معهما مشيدة بكلبهما الذي يربض غير بعيد عنا، عندما عرفا أننا من المملكة العربية السعودية سألانا عن دبي، معبرين عن رغبتهما زيارتها لما سمعا عن هذه المدينة الساحرة كما قال.
وتشاء الأقدار أن تكون دبي أول محطاتي ملحقاً ثقافياً للمملكة العربية السعودية؛ فأحضر في جامعة السوربون في أبوظبي قبل عدة أسابيع ندوة عن المدينة في الأدب العربي، ويلفت انتباهي متحدث إماراتي يرى أن مدينة أبوظبي قد شاخت في سياق حنينه إلى الماضي بذكرياته الجميلة التي أودعها في إحدى حارات أبوظبي التي تحولت إلى ناطحات سحاب مؤخرا.
ولم أكن الوحيد الذي يستوقفه هذا الوصف بالمشيب لمدينة في ريعان الشباب، فقد سبقني زميل يجلس إلى جانبي أخذ التعليق وأبدى استغرابه من ذلك الوصف؛ ولأنه يجوز للمبدع مالا يجوز لغيره، فقد كان لزاماً علينا أن نحترم وجهة نظره وإن اختلفنا معها وخالفها الواقع.
إن من يسعفه الحظ ويتجول في مدن الإمارات من أبوظبي الى رأس الخيمة مروراً بعاصمة السياحة العالمية دبي، يجد أن مدن الإمارات شابات ضل المشيب إليهن الطريق، فهن حوريات لا يشبن، وفاتنات يزددن مع الزمن نضارة وجمالاً، وكلما توسعن رأسياً أو أفقياً أضاف ذلك المزيد من تقاسيم الفتنة الحلال التي تُعَنون كل جزء في هذه المدن الواعدة. ويحدثني أحد الدبلوماسيين السعوديين مرحباً بمقدمي إلى دبي، وقد كنا عملنا سوياً لبعض الوقت في واشنطن، بأنه لم يأمن على أسرته في مكان كما يأمن عليهم في مدينة دبي.
ولي مع دبي ذكريات جميلة تعود أولاهن إلى عام 1992م لتتوالى الزيارات إلى حين مباشرتي العمل فيها، وللتاريخ وللحقيقة أقول إن دبي تعد عاصمة السياحة العالمية، وأن البنية السياحية التحتية فيها لا تضاهيها فيها مدينة في العالم، ذلك أن البنى التحتية السياحية صممت على هامش مدن سياحية عالمية، بينما صممت دبي مدينة سياحية في الأساس فجاءت مختلفة ومتميزة ومتكاملة؛ وهي للسياحة العائلية مثالية، وللسياحة التدريبية وتطوير الذات قبلة عالمية، وللسياحة العلاجية تغذي المسير لتبرز في هذا المجال أيضاً. ودبي إضافة إلى ذلك مدينة المال والأعمال. فهي فعلا لا تتوقف عند مشارف الأسئلة التقليدية بل تتوق إلى ما وراء الأسئلة الصعبة، إنها لا تنتظر الحدث بل تصنعه بكل بساطة.
وإذا كان لكل أزمة جانب إيجابي كما يقول الصينيون فإن من إيجابيات الأزمة الاقتصادية العالمية أن أعادت لدبي هويتها السياحية وبقوة، فقد كان الأسبوع الماضي شاهداً على حجم الإقبال السعودي على دبي، مما جعل الحصول على مقعد على الطائرة من أي مدينة سعودية إلى دبي أشبه ما يكون بالبحث عن المستحيل، وسيرت الخطوط السعودية عدداً كبيراً من الرحلات الإضافية من وإلى دبي، والتقيت من الأصدقاء من جميع طبقات المجتمع من لم التقي منذ سنوات في المملكة.
دبي التي ارتبطت سمعتها بالسياحة والاقتصاد والتجارة للناظر عن بعد والزائر على استحياء، تملك وجها آخر لا يقل بريقا عن سابقه، ففي نواديها الثقافية، ومنابرها الفكرية، ومجالس وجهائها المفتوحة ما يكفي لإشغال وقتك والبحث عن ساعات تضيفها ليومك لعلك تستمع بتلك الوجبات الثقافية الفكرية الناضجة.
زرت مركز جمعة الماجد الثقافي فوجدت ما قدمه الرجل للعلم والفكر والثقافة والمخطوطات تقصر عن بلوغه همم الدول، وساقني قدري الجميل للقاء الحاج سعيد لوتاه في معتكفه الصحراوي، حيث يتأمل ويكتب ويعيش حياة بسيطة وهو من أعلام المال والأعمال.
وأقول لمن يسألني عن دبي، لا تخف عليها، فالإدارة التي تملك مرونة في الخطط، وبدائل في التنفيذ وسرعة في اتخاذ القرار ستخرج من الأزمة الاقتصادية قوية، محصنة بالتجربة، فما نوصي به في إدارة الأزمات هو القرار السريع، ودبي تملك القرار السريع والحكيم.
د. عبدالله بن موسى الطاير - الملحق الثقافي السعودي في دولة الإمارات العربية المتحدة
