السهو والتقصير من طبع الإنسان، ومن رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف أن يفتح له باب التوبة، وأمره بالإنابة إليه، والإقبال عليه، كلما غلبته الذنوب ولوثته المعاصي.. ولولا ذلك لوقع الإنسان في حرج شديد، وقصرت همته عن طلب التقرب من ربه، وانقطع رجاؤه من عفوه ومغفرته.

فالإنسان لا يخلو من معصية ولا يسلم من هذا النقص أحد من البشر، وإنما يتفاوت الخلق في المقادير، أما أصل ذلك فلا بد منه، وهو يجبر بالتوبة.

فالطريق لإدراك ما فات واضح كالشمس، ظاهر كالقمر، إنه طريق التوبة.. طريق النجاة.. طريق سهل ميسور، مفتوح أمامك في كل لحظة، ما عليك إلا أن تطرقه، وستجد الجواب: «وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى» (طه:82).

بل إن الله تعالى دعا عباده جميعاً إلى التوبة، وأخبر أنه سبحانه يغفر الذنوب مهما عظمت، وإن كانت مثل زبد البحر، فقال سبحانه: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم» (الزمر:53).

وليس شيءٌ أحب إلى الله تعالى من الرحمة، من أجل ذلك فتح لعباده أبواب التوبة، وأخبر أنه ليس فقط يقبل التوبة ممن تاب، بل يحبه ويفرح به: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ» (البقرة:222).

فالتوبة، هي تجديد المرء لنفسه، ونوع من التعمير والإصلاح الداخلي، وهي فرار من الحق تعالى إلى الحق تعالى، وهي انتقال من غضبه إلى لطفه.

ولما كان الإثم ناتجا عن تحكم الشيطان وبتأثير من النفس، فالتوبة هي دفاع المشاعر ضد الشيطان، وجهدها في علاج عدم التوازن الذي حدث في الروح.

تعريف التوبة: وجاء في تعريف التوبة شرعاً، هي الندم على ارتكاب الإثم، والعزم الصادق على ترك العود إليه. وهي تدور حول معاني الرجوع، والعودة، والإنابة، والندم.

وقد قال ابن القيم رحمه الله: «حقيقة التوبة هي الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على ألا يعاوده في المستقبل».

فترك الذنب لقبحه، والندم على فعله، والعزم على عدم العود، وردُّ المظلمة إن كانت، أو طلب البراءة من صاحبها، هي أبلغ وجوه التوبة.

ولا بد للتائب من معرفة ما يتاب منه ولو على سبيل الإجمال. فأجناس المحرمات الواجب التوبة منها، اثنا عشر جنساً مذكورة في كتاب الله عز وجل هي: الكفر، والشرك، والنفاق، والفسوق، والعصيان، والإثم، والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والبغي، والقول على الله بغير علم، واتباع غير سبيل المؤمنين.

فهذه الاثنا عشر عليها مدار كل ما حرم الله، وقد يكون في الرجل أكثرها أو أقلها، أو واحدة منها، وقد يعلم ذلك وقد لا يعلم، فالتوبة تكون من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها.. ولأجل ذلك لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. ونقول لمن هذا حاله: لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى من عصيت.

فالتوبة النصوح تلحق التائب بمن لم يرتكب المعصية أصلاً. لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

فالتائب من المعاصي لا تصح توبته إلا بالإخلاص، والإقلاع عن الذنب شرط أساسي للتوبة المقبولة، فالذي يرجع إلى الله وهو مقيم على الذنب لا يعد تائباً، لأن النفس المتعلقة بالمعصية قلما تخلص في إقبالها على عمل الخير؛ لذلك كان على التائب أن يجاهد نفسه فيقتلع جذور المعاصي من قلبه، حتى تصبح نفسه قوية على الخير مقبلة عليه نافرة عن الشر متغلبة عليه بإذن الله.

والتائب أكثر الناس حاجة إلى العزيمة والإرادة القوية حتى يمكن من السيطرة على شهواته ورغباته، فيقف أمامها وقفة صمود وقوة، تجعله لا يعاود الذنوب ثانية، فتكون توبته صحيحة مقبولة.

أحمد محمد ـ الشارقة