زرت مدينة دبي قبل أحد عشر عاماً للمرة الأولى في زيارة قصيرة لم تتجاوز الثلاثة أيام في العام 1998م وكانت دبي في ذلك الوقت في بدايات التأسيس لنهضتها المعمارية والسياحية الرائعة التي تفوق الخيال ويعجز عنها الوصف.

فقد كانت دبي في ذلك الزمن (القريب جداً) قد بدأت في جذب أنظار السياح الذين يبحثون عن دفء من الشتاء الأوروبي بخاصة، وعن السوق المفتوحة والتسهيلات الخيالية للسائح والمستثمر في أجواء فخمة وآمنة، وقد تشرفت حينها بلقاء باني نهضة دبي سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حين زرته في قصره، فلا تكلف أو تصنع، بل لا أبالغ إن قلت إني لمست في ذلك الإخلاص والتمسك بتقاليد الآباء والأجداد في الاهتمام بالضيف.

وأذكر أني بقدر ما أعجبتني تلك المدينة كتبت فيها كلمات كرسالة موجهة لسموه وقدمتها له أبديت فيها إعجابي الشديد به شخصياً وبدبي وهي في ذلك الوقت لم تكن إلا جزءا صغيراً مما هي عليه الآن، ولم تحصل لي بعد ذلك الفرصة لزيارتها مرة أخرى إلا في العام 2008 أي بعد عشر سنوات أو عقد واحد من الزمن فرأيت فيها مالا تستطيع أكبر الدول بكل قدراتها الاقتصادية وبكل مستثمريها أن تفعل ذلك في عدة عقود، فكيف بإمارة صغيرة قهرت المستحيل الزماني والمكاني.

وجعلت ليس لذاتها بل لكل المنطقة عموما علامة مضيئة على خارطة الدنيا، فمن منا يستطيع أن ينكر أن دبي تأتي في مقدمة الاستقطاب بالنسبة للعالم بكل مقوماته الاقتصادية والسياحية والفنية وكذلك الإعلامية والسياسية والرياضية، ومعروفة أكثر مما يعرف أي بلد عربي في المنطقة بل وحتى أن البعض يظن أن دبي دولة وليست إمارة صغيرة تغازل ساحل الخليج.

كانت إلى وقت قريب مدينة صغيرة تحيط بها الصحراء والبحر، ثم صنع سمو الشيخ المعجزة لتشاهد فيها الآن كل تلك المساحات الخضراء والبنايات العملاقة والفنادق المميزة والأسواق الراقية والتنظيم الإداري والأمني الذي يدار باحترافية عالية وهو ما يجعلك تراجع نفسك، هل أنا حقيقة في بلد عربي؟

ندمت كثيراً في زيارتي عام 2008 على أنني لم أزر دبي خلال فترة العشر سنوات مرة أخرى وأتعرف أكثر على خصوصية دبي الهادئة الصاخبة ويكون لي إسهام ولو بالقليل في معجزة الصحراء دبي.

حدثت في أواخر العام 2008 الأزمة الاقتصادية العالمية التي أثرت وبدون شك على كل دول العالم بمن فيها دبي، وكثر الحديث عن الهروب الجماعي للآلاف وبيع استثمارات دبي الكبرى وغير ذلك، ولكن أين الحقيقة؟ الحقيقة قرأتها في ما قاله مؤخراً سمو الشيخ محمد في مؤتمره الصحفي الإلكتروني حين طمأن الجميع أولا عن نفسه ثم عن دبي، وهو حين يتحدث يعرف ما يقول فهو ليس بحاجة لأن يدعي المستحيل فهو قد صنعه أصلا، ثم ما شاهدته بنفسي مؤخرا حين زرتها ثلاث مرات هذه السنة آخرها كانت قبل شهر من الآن.

نعم قد يكون عدد السائحين قل قليلاً ولكن ذلك مصدره السياح أنفسهم في بلادهم حيث فقد مئات الآلاف وظائفهم هناك، ولكن ليس في دبي التي تزدهر يوما بعد يوم رغم كل الأقاويل والإشاعات التي تحاول التأثير على المستثمرين والسائحين الذين لا ينسون تسهيلات دبي وتعقيدات سواها في كل المجالات ويعلمون حقيقة أن دبي باقية والأزمة ستزول.

لا أخفي إعجابي بدبي كمدينة عالمية راقية استحقت أن تكون مركزاً عالمياً في كل شيء، فما توفره دبي يستحيل أن يتوافر في غيرها فهي بحق يجب أن تسجل في كتب التاريخ البشري كمعجزة من معجزات الدنيا التي صنعها البشر ثم لا أنسى أخلاقيات مواطنيها الرائعين الذين يتعبونك حقيقة بجم أدبهم واحترامهم وحسن تعاملهم ولا بشخص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم كقائد ربط القول بالأفعال وأسس للأجيال ورسم طريقاً لكل من يريد النجاح من القادة بالعزيمة وحب الشعب وحسن التصرف والتواضع.

وأختم باقتباس من سموه «لقد نجحنا لأننا اعتبرنا دائما أن الغد يوم جديد وأن ما تحقق في الأمس قد تحقق وأن التاريخ الذي نكتبه هو ما ننجزه في المستقبل وليس ما أنجزناه في الماضي».

الأمير عبدالمحسن بن فهد بن مشاري آل سعود

ALSAUD1@LIVE.COM