لم يعد الإعلام في وقتنا الحالي يأخذ شكلا واحدا كما كان في السابق، كما لم يعد المتلقي مجبرا على تبني وجهة نظر معينة تفرضها عليه وسيلة إعلامية معينة، إنما أصبح بإمكانه التحليق في الفضاء واختيار ما شاء من المواقع الالكترونية، وقد كفلت الشبكة العنكبوتية له ذلك.

ومع التوسع التكنولوجي أصبح لدينا أشكال جديدة من الإعلام الالكتروني، أو الثقافة الإعلامية الالكترونية التي غذى توجهاتها ظهور ثقافة المدونات الشخصية التي باتت تمثل منعطفا مهما في العلاقة بين الأفراد والمصادر الإعلامية، فقد كشفت المدونات عن متلق جديد يتسم بالوعي والقدرة على اختيار الخبر والمعلومة، وأتاحت الفرصة أمام جميع أفراد المجتمع للتعبير عما بداخلهم دون تدخل يذكر ل«مقص الرقيب»، وهو ما يمكن اعتباره فسحة بديلة لإظهار وجهات نظر متعددة تختلف أو تتعايش مع وجهات النظر الأخرى أو المهيمنة إن صح التعبير. وفي ظل تنامي المدونات الشخصية في معظم دول العالم فقد كان للإمارات نصيب وافر منها، حيث فاق عدد المدونات الشخصية أل 40 مدونة، وإن كان بعضها لا يكشف صراحة عن هوية أصحابها، ولكنها تبقى في النهاية نافذة للتعبير عن الرأي، خاصة وأن الكثير من الشباب أصبحوا يحترفون العمل بها.

جذور المدونات

وللاقتراب من عالم المدونات كان علينا في البداية العودة إلى جذور نشأة المدونات الإماراتية والتي استقيناها من خلال بعض المدونين الإماراتيين أنفسهم، وفي ذلك يقول أسامة زبيدي، صاحب مدونة osama.ae والذي يعتبر نفسه لا يزال هاويا رغم إنشائه لمدونته الخاصة منذ خمس سنوات: «يعود تاريخ التدوين في الإمارات إلى عام 2002، حيث تعتبر مدونة «UAEkitte» من أقدم المدونات الإماراتية ولكنها تستخدم اللغة الإنجليزية.

أما الانطلاقة الحقيقة للمدونات الإماراتية فكانت على يد عبد الله المهيري صاحب مدونة سردال، والتي رأت النور عام 2003، وهي تعتبر من أقدم المدونات العربية، وتبعها انطلاق العديد من المدونات الإماراتية منها مدونتي الشخصية ومدونة برجوازي وصدفات وعابرة سبيل وغيرها.

ولكن بعضها اختفى والبعض الآخر ما زال مستمرا حتى هذه اللحظة»، أما سهيل، صاحب مدونة نجم سهيل الالكترونية فقال: «لا أستطيع أن أحدد تاريخ المدونات في الدولة، ولكنه ما زال حديث العهد، وعموما فالتدوين الإماراتي مر بعدة مراحل حتى اخذ شكله الحالي في التدوين والذي يسلط الضوء على ظواهر دخيلة على الشارع الإماراتي».

وإذا كانت المدونات والتدوين فكرة حديثة العهد فما الفوائد المرجوة منها، وهل تقتصر فقط على التعبير عمّا في النفس؟، حول ذلك يقول أسامة: «التدوين ليس مجرد ترويح عن النفس أو فضفضة كما يعتقد البعض، إنما يمكن اعتباره معلومة تعمم على الجميع، أو طرحاً جاداً لقضية ما لإيجاد حلول مناسبة لها، وبتقديري انه بصمة خاصة لصاحبها في عالم الانترنت».

ومن جهته قال سهيل الذي احترف الكتابة الالكترونية مع بداية ظهور المنتديات الإماراتية لينتقل منها إلى مدونته الخاصة: «أعتقد أن التدوين في وقتنا الحالي هو أنسب وأسرع الحلول المتوفرة تقنيا، خاصة بعد دخول الانترنت إلى كل مكان، وبالتالي فقد أصبح بإمكان أي مستخدم الاطلاع على الأخبار ومختلف المواقع دون الاضطرار لمغادرة مكانه، وفوائد التدوين كثيرة فمثلا يمكن للمدون أن يكتب عن ظاهرة دخيلة على المجتمع أو عاده سيئة تحدث في المجتمع، وفي الوقت الذي يتخذ البعض من التدوين طريقة للتعبير عما يدور في أنفسهم، فهناك من يجده وسيلة للتعبير عن رأيه بكل جرأة وبدون تدخل «مقص الرقيب» سواء في تعديل النص أو إضافة الآراء، ويبقى المدون هو «رقيب نفسه».

ومع ارتفاع وتيرة التطور التكنولوجي، فقد أخذت وسائل الإعلام أشكالا متعددة، ولكن هل يمكننا اعتبار المدونات الالكترونية أحد أشكال هذه الوسائل، وهل يمثل احتراف التدوين مدخلا إلى الإعلام؟، وحول ذلك يقول سهيل: «التدوين الإلكتروني هو شكل من أشكال الإعلام الجديد أو «نيو ميديا»، وقد أصبح الآن في جميع وسائل الإعلام بالدولة قسم يختص بهذه التكنولوجيا».

ويضيف: «أعتقد أن التدوين قد يكون مدخلا إلى الإعلام إذا ما أتاحت المؤسسات الإعلامية الفرصة لقبول المُدونين وإعطائهم المجال للكتابة في مطبوعاتها، وبالتأكيد أن ذلك سيكون دافع جيد للشباب المدونين، ولكن يجب الأخذ بعين الاعتبار أن المدون سيكون في هذه الحالة مقيدا بمعايير الحرية الصحفية التي عادة ما تكون أشد صرامة، خاصة وان قوانين المطبوعات تختلف كليا عن قوانين التدوين».

ومن جانبه فقد علق أسامة على ذلك بقوله: «نعم بالتأكيد، فهناك الكثير من المدونات التي كان لها دورا في أحداث معينة، وكانت مصدرا تمد وكالات الأنباء ووسائل الإعلام بالمعلومات، والحرب على العراق التي كانت أحد أسباب انتشارها، في المقابل استخدمت الكثير المدونات كوسيلة إعلامية لدعم مرشح على حساب آخر خلال الانتخابات الأمريكية»، أما في مسألة أن يكون احتراف التدوين مدخلا إلى الإعلام فقال:«حتى الآن أغلب المدونين الذين أعرفهم مجرد هواة، ولكن هناك عدد منهم باعتقادي يستحقون الحصول على الفرصة لدخول قطاع الإعلام نظرا لما يتمتعون به من إمكانيات ثقافية وتعبيرية».

هامش الحرية

لقد منحت شبكة الانترنت متصفحيها هامش حرية كبيراً سواء في طرح الموضوعات وطرق تناولها أو التعبير عما بداخلهم أو حتى طرق المسائل «المحرمة»، وبلا شك إنها بذلك تكون مختلفة تماما عن بقية وسائل الإعلام التي تضع في اعتباراتها حدودا للحرية التعبيرية حتى وان اتسعت.

فإذا كان «مقص الرقيب» مهيمنا على وسائل الإعلام، فإلى أي حد تبلغ هيمنته على المدونات الالكترونية التي تتخذ من الشبكة العنكبوتية متنفسا لها، حول ذلك يقول أسامة الذي اعتاد في مدونته على تناول موضوعات مختلفة تتراوح بين شخصية، واجتماعية، وفوتوغرافية التي يحاول حاليا التركيز عليها بناءً على رغبة زوار مدونته الذين يتجاوزون الـ 600 يوميا، فقال: «بتقديري إن وجود الرقابة شر لابد منه، فعدم وجودها سيخلق فوضى «تدوينية».

ورغم ذلك تبقى مساحة الحرية في الإمارات أعلى من دول أخرى، ولا أذكر أن تدخلت الرقابة في التدوين إلا في حالات قليلة ونادرة، آخرها كان حجب مدونة إماراتية لعدة أيام قبل أن يتم رفعه بسبب الضجة التي أثارها الحجب.ومن المفارقات الطريفة أن الحجب زاد من شعبية تلك المدونةبين الناس»، في حين قال سهيل الذي يسعى إلى الكشف عن بعض الظواهر التي يعاني منها الشارع الإماراتي أملاً بوصولها إلى المسؤولين: «لا توجد رقابه على التدوين والمدونات في الدولة، لأنه لو حدث ذلك لا أعتقد أننا قمنا بشيء جديد، وهذا ما يميز التدوين عن باقي الوسائل الإعلامية الرسمية، فمساحة التعبير وحرية الرأي فيها أكبر، إلى جانب أنها تمتاز بطابع الجرأة، ولكن الرقابة الوحيدة على المدونة تكون نابعة من المدون نفسه، فهو الوحيد الذي يستطيع أن يحدد مساحة الحرية على مدونته بما يتناسب وشخصيته.

وعن أبرز المشكلات التي تواجه المدونين الإماراتيين فقال أسامة: «في الواقع لم تصادفني مشكلة تذكر بخلاف تلك المتعلقة بالمسائل التقنية، ولكن استمراري بالتدوين باستخدام هويتي الحقيقية أصبح عائقا أمامي، فمع زيادة شعبية المدونة تنكمش مساحة الحرية الخاصة بي، وبالتالي فإن أي تدوينة باتت تفرض علي المزيد من التفكير والتأني، لان أي خطوة غير مدروسة قد تقحمني في مشكلات أنا في غنى عنها».

في المقابل أشار سهيل إلى أن أبرز المشكلات التي يواجهونها هي إيصال كلمتهم للمسؤولين وصناع القرار، خاصة وإنهم يسعون من خلال التدوين للكشف عن ظواهر ومشكلات يعاني منها الشارع الإماراتي والتي تتطلب تدخلا من قبل المسؤولين لإيجاد حلول لها.

مستقبل مشرق

وفي النهاية يبقى السؤال الملح، إلى أي حد يبدو مستقبل التدوين والمدونات مشرقا في عيون المدونين أنفسهم؟

ويجيب أسامة على ذلك بالقول: «أنا على يقين بأن ثورة التدوين ستبقى مستمرة لفترة طويلة، خاصة وأن الكثير من متصفحي الانترنت خاصة في عالمنا العربي لا يزالون يجهلون حتى الآن الفرق بين المدونة والمنتدى، وأعتقد انه مع ازدياد أعداد المستخدمين العرب سوف تزداد شعبية التدوين بشكل كبير.

وبتقديري إننا سنشعر بالفرق بعد سنتين أو ثلاث سنوات من الآن»، أما رفيقه سهيل فيقول: «لدينا في الوقت الحالي مدونون شباب لامعون، وبحسب ما أرى فالمستقبل يبشر بالخير للارتفاع المستمر في أعداد المدونين الإماراتيين، وهذا بحد ذاته مؤشر يبعث على الارتياح».

غسان خروب