لم تقتصر تأثيرات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد فقط، إنما اتسعت حدودها لتشمل جميع القطاعات بما فيها الخدماتية، واتساع نطاق الأزمة كان لا بد أن يشمل قطاع الإعلام الذي يعد أحد القطاعات الحيوية.

وبلا شك فإن تراجع سوق الإعلان قد انعكس سلبا على وسائل الإعلام العربية والعالمية التي باتت تعتمد على الإعلان التجاري لتمويل نشاطها، وهو ما أجبر العديد من المؤسسات الإعلامية على إعادة هيكلة نظامها الإداري، وإلغاء بعض خططها السنوية بهدف تخفيض النفقات. ولمعرفة الخطوات التي قامت بها مدينة دبي للإعلام لحماية الشركات العاملة في مناطقها من تداعيات الأزمة المالية، توجهنا إلى محمد عبد الله، المدير التنفيذي لمدينة دبي للإعلام، والذي سألناه في البداية: قمتم مؤخرا بفتح مركز لدعم ومساندة الشركات العاملة في مدينة دبي للإعلام لمواجهة تداعيات الأزمة المالية، فهل لكم أن تطلعونا على طبيعة هذا المركز والخدمات التي يقدمها، وعدد الشركات التي استفادت منه؟

نموذج مثالي

تعتبر مدينة دبي للإعلام نموذجاً مثالياً لمجتمع العمل الإعلامي في الشرق الأوسط، وتسعى المدينة حالياً إلى تعزيز موقعها الريادي كوجهة إعلامية عالمية، ونجحت على مدى السنوات الماضية في ترسيخ مكانتها على الخريطة الإعلامية لتضم حالياً أكثر من 1400 شركة متعددة المجالات، ومن منطلق حرصنا الشديد على تعزيز تعاوننا مع الشركات العاملة ضمن المناطق الحرة التابعة لتيكوم للاستثمارات، فقد أطلقنا مركز الدعم والمساندة، بهدف توفير الخدمات الاستشارية المجانية لهذه الشركات، ومساعدتها على التعامل مع التحديات التي أفرزها التباطؤ الاقتصادي العالمي، ويشرف على هذه المبادرة نخبة من المؤسسات الاستشارية، وهي تعمل على تقديم الخدمات الاستشارية في مجالات التمويل، والتسويق، والشؤون القانونية، والموارد البشرية، فضلاً عن العمليات الإستراتيجية والتشغيلية.

وبإمكان الشركات الراغبة في الاستفادة من هذه الخدمات حجز أماكنهم الكترونياً لحضور الدورات الاستشارية والتي ستعقد على مدار ثلاثة أشهر كمرحلة أولى، وستكون أولوية الحضور متاحة حسب أسبقية التسجيل، وسنقوم بإجراء عمليات تقييم مستمرة خلال مراحل سير البرنامج لمتابعة النتائج التي حققها.

وتركز الجلسات الاستشارية المتخصصة بالإدارة المالية على كيفية إدارة الشركات لمواردها المالية بشكل أفضل في ظل الانكماش الاقتصادي العالمي، في حين ستساعد دورات التسويق على زيادة كفاءة الميزانيات المحددة لعمليات التسويق، بهدف دعم وترسيخ العلامة التجارية للشركات، كما يقدم المركز الاستشارات القانونية المتعلقة بالعديد من القضايا، بما فيها بيع حصص الشركات، والتعامل مع الدفعات المالية المعلّقة أو المستحقة، والمنازعات الخاصة بالموظفين، ويوفر المركز الإرشادات حول العمليات الإستراتيجية والتشغيلية لضمان تحسين المستويات الإنتاجية.

تسهيل الأعمال

وتوفر تيكوم للاستثمارات وكافة المناطق الحرة التابعة لها العديد من البرامج لتسهيل الأعمال والتركيز على توسيع نطاق عملها، مثل ملتقى مركز دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي يعقد كل ثلاثة أشهر ويستقطب الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعمل انطلاقاً من المناطق الحرة التابعة لتيكوم للاستثمارات وخارجها على حد سواء، ونحن نقدر أهمية الشركات التي تعمل ضمن المناطق الحرة التابعة لتيكوم، ولذلك نعمل على توسيع دعمنا لهم في ظل الوضع الاقتصادي الحالي، وبالتأكيد إن الخدمات المتخصصة التي يقدمها مركز الدعم والمساندة ستساعد الشركات في التعامل مع القضايا التي تواجهها في ظل الظروف الصعبة السائدة، إلى جانب التدابير الاحترازية التي جاءت كاستجابة مباشرة للأزمة.

تواصل مستمر

من تداعيات الأزمة المالية العالمية، تأخر بعض الشركات في تسديد مستحقاتها المالية، ومن بينها ما يتعلق بالإيجار، فكيف واجهتم هذا الأمر، وما هي طبيعة التسهيلات التي قدمتموها لهذه الشركات؟

لسنا في معزل عن الأزمة التي يشهدها العالم حالياً، خاصة مع وجود الكثير من الشركات العالمية العاملة ضمن مجمعات تيكوم للأعمال، ونحن على تواصل مستمر معها لتقديم الدعم المطلوب من جانبنا، أما بالنسبة للإيجارات، فأسعارنا تنافسية نظراً لمستوى الخدمات التي توفرها مدينة دبي للإعلام، كما أن غالبية الشركات العاملة في المدينة قادرة على دفع التزاماتها المالية بدون أي تأخير، أما الطلبات الأخرى المقدمة من بعض الشركات، سواء كانت متعلقة بالإيجار أو غيرها، فنحن ننظر في كل طلب على حده، ونعمل على اتخاذ القرار المناسب.

حرصت تيكوم على مساعدة الشركات التي تعمل تحت مظلتها في مدينة دبي للإعلام، فما هي أشكال وطبيعة هذه المساعدة، بخلاف الإيجار وتسهيلات الدفع؟

تحرص تيكوم للاستثمارات على توفير المساعدة لكافة الشركات العاملة ضمن مناطقها الحرة في كافة الظروف، ولذلك نوفر البيئة المناسبة للأعمال، والدعم اللوجستي بالإضافة إلى مركز الدعم والمساندة الذي يساعد تلك الشركات في إيجاد حلول لتخطي الأزمة ومواصلة العمل كالمعتاد.

بنية رفيعة وبيئة محفزة

في ظل الأزمة المالية العالمية الحالية فما هي المميزات التي تقدمونها لجذب الشركات إلى فتح مقرات لها في مدينة دبي للإعلام؟

توفر مدينة دبي للإعلام بنية تحتية رفيعة المستوى توظف من خلالها أحدث وسائل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من الجيل المقبل لقطاع صناعة الإعلام، وتتمتع الشركات العاملة ضمن المدينة بالعديد من المزايا كشبكة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأكثر تقدماً في المنطقة، وخدمات نقل الصوت والبيانات، بالإضافة إلى إمكانية تملك الشركات بنسبة 100 دون الحاجة لوجود كفيل، والإعفاء من ضريبة الدخل والضرائب المفروضة على الشركات لمدة خمسين عاماً.

كما وتوفر المدينة بيئة محفزة لنمو وتطور الشركات العاملة في قطاعات الإعلام، والطباعة والنشر، والموسيقى، ووسائل الإعلام الجديدة، والتسلية والترفيه، والبث الإذاعي والتلفزيوني، والأفلام، ووكالات الأنباء، وخدمات الإعلان والتسويق.

وتغطي خدماتها منطقة جغرافية واسعة تمتد من الشرق الأوسط إلى شبه القارة الهندية وشمال أفريقيا ومنطقة رابطة الدول المستقلة. والنجاحات التي حققتها المدينة تقوم على توفير الدعم والخدمات لكافة الشركات العاملة ضمن المجمع.

ويمكن لأي شركة تنضم إلى المدينة الاستفادة من مجموعة المزايا التي تشمل حرية نقل رأس المال والأرباح دون أية قيود، وإمكانية التأسيس وبدء العمليات التشغيلية خلال أسبوع واحد فقط، كما قامت المدينة بتأسيس مراكز أعمال إعلامية متخصصة لتشجيع ودعم المواهب الإعلامية وأصحاب الأعمال الخاصة في المنطقة، وهي تستهدف الإعلاميين والمهنيين المستقلين، الذين وجدوا في المدينة قاعدة لتطوير أعمالهم وبناء علاقات متينة مع وسائل الإعلام الأخرى.

أبرز المشكلات

ما هي أبرز المشكلات التي تواجه الشركات العاملة في مدينة دبي للإعلام تحديدا نتيجة الأزمة المالية العالمية؟

نمتلك الكثير من نقاط القوة، ومن أهمها القدرة على التكيف وتحويل التحديات إلى فرص، وأعتقد أننا نسير في الاتجاه الصحيح، وسنعمل كل ما بوسعنا لتوفير الدعم لشركائنا والاستمرار على نفس النهج الذي بدأناه، والذي يجسد رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس الوزراء، حاكم دبي، بجعل دبي منارة إعلامية يحتذي بها العالم أجمع.

إلا أن هناك تحديات تواجه بعض الشركات التي تعتمد على موازنات الدعاية والإعلان التي تم تخفيضها لاسيما من قبل الشركات العقارية. وبما أن الفرص تنشأ من قلب التحديات، فقد تمكنت العديد من الشركات العاملة في مدينة دبي للإعلام من الخروج بحلول مبتكرة لمواجهة التحديات وتحقيق النمو المنشود من خلال تضافر جهودها والتعاون المشترك لتحقيق المنفعة المتبادلة.

سبل تجاوز الأزمة

بتقديركم ما السبل للخروج من هذه الأزمة في قطاع الإعلام، وهل الاتجاه نحو إنشاء كيانات إعلامية ضخمة سيساهم في حل هذه المعضلة أو على الأقل مواجهتها؟

تعتبر الإمارات من الدول التي تتمتع باقتصاد قوي قادر على التكيف وامتصاص الأزمات، وأعتقد أن قيادة الإمارات، برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، ونائبه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، سعت على الدوام لتكون في الريادة ليس فقط فيما يتعلق بمبادرات التنمية والبناء، وإنما على مستوى المبادرات الخاصة بمواجهة هذه المرحلة الحساسة التي تتطلب تكاتف الجهود لمواجهة الأزمة، ونحن على ثقة تامة بأننا قادرون على تجاوز كافة التحديات التي نواجهها حاليا ومستقبلاً.

غسان خروب