لا يخلو بيت من نوبات انفعالات ينجر إليها الزوجان نتيجة أمور قد تستحق الغضب أو لا تستحق، أو تأتي نتيجة تفسير لتصرفات أحد الزوجين من قبل الآخر مما يثير الغضب وردود الأفعال المبالغ فيها أحياناً.

ولكن ذلك قد يدفع الأبوين للوقوع في أخطاء سلوكية تحفر معاولها الهدامة في نفوس أبنائهم وهم لا يشعرون بذلك، ويتسببون في زعزعة ثقة الأبناء بوالديهم على إثر خلافات نجم عنها هجوم أحد الأبوين على الآخر أو محاولة تشويه صورته أمام الآخر ساعة غضب أو كيل السباب والشتائم على مسمع ومرأى الأبناء . ويؤكد المختصون الاجتماعيون والتربويون على خطورة هذه التصرفات غير المسؤولة التي تنظر للأبناء على أنهم أشياء في البيت مثلها مثل الأثاث ولا يعلمون أنهم كتلة من المشاعر والأحاسيس التي يتسبب خدشها بجروح تظل مدى الزمن وترسم شخصياتهم المستقبلية ونظرتهم نحو أنفسهم ونحو المجتمع.

تحول الخطأ إلى عادة اعتبرت ياسمين مسعود، طالبة جامعية أن من اكبر الأخطاء التي تواجه الزوجين التحدث أمام الأطفال بكلمات غير لائقة. فالطفل سريع الالتقاط فهي طريقة بالنسبة له سهلة للتعبير عن غضبه كما يفعل الأب والأم فتصبح وسيلة وعادة له يعتمد عليها طيلة حياته كما يفعل الأهل، ولعل من أخطر الأمور التي يقع فيها الزوجان الهجوم الكلامي بين الطرفين وذكر مساوئ بعضهما أمام الأطفال مما يساعد على خلق حالة من الفزع عند الأبناء وخلل في التفكير يؤثر على مستقبلهم.

ورأت ياسمين أن الأخطر من ذلك أن الآباء والأمهات هم قدوة الأبناء والطفل حين يرى أن قدوته مليئة بالعيوب التي ذكرتها والدته يجد نفسه هو كذلك لأن الطفل يعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ من والده أو والدته وبالتالي سيقتنع خلالها الطفل بأنه يمتلك هذه العيوب في داخله كما يمتلكها أحد الوالدين ويضطر الطفل لأن يكون أكثر عدوانية قدوة بوالده ويفقد بعدها ثقته بنفسه وبالآخرين من حوله.

وقالت شهد زهير ..طالبة ثانوية إن كثيراً من الأطفال لا يملكون المقدرة على فهم الأسباب التي جعلت الأجواء بين الأب والأم تشتعل وتتفاقم بينهم الخلافات ويفقدون الإحساس بالأمان ومن ثم تتدهور حالتهم، فمنهم يصبح مريضاً نفسياً والبعض الآخر يعيش منطويا على نفسه وغيرهم يلجأ إلى العنف والتوحش وفي النهاية ضياع الأبناء إلى ما لا تحمد عقباه، فعدم نجاح والده ووالدته بالحفاظ على هذه الأسرة هو بحد ذاته سبب لعدم نجاح الأبناء في النهاية.

قرارات مصيرية

المحامي معتصم إسماعيل بشير يؤكد أن الأبناء يرغبون دائماً بوجود أب وأم متفهمين يدركان المعنى الحقيقي للحوار قبل اتخاذ أي قرار مصيري يقضي على الأسرة وعلى الأبناء، ويعتبر الأبناء أن هذا حق لهم فوجودهم مع الأم والأب أمر شرعي وحق لا يمكن التفاوض عليه مهما كانت الأسباب إلا في حالة الموت.

وللأسف أن الكثير من الآباء يمتلكون قناعة تجاه زوجاتهم بأنهن سبب فشل الحياة الزوجية أو استمرارها وينظرون إلى الأبناء من منظور سطحي، وعدم الاكتراث بما سيحدث لهم بعد الطلاق سيكون وقعه أليما عليهم مما يساهم في تدمير مستقبلهم والسبب هو العناد من طرف الأب أو الأم ومن ثم إظهار المساوئ لكل منهما أمام الأبناء الأمر الذي يتسبب بفقدان الثقة لدى الأبناء بأنفسهم ومن ثم ضياع لحياتهم العلمية والعملية في المستقبل.

وعلى الزوجين الأخذ بالأسباب والتحلي بالصبر والوصول للحل في أي مشكلة تواجههما بكل حكمة وتروٍ وعدم المبالغة في تشويه صورة كل منهما للآخر ويجب ألا يقف الطلاق عائقا في سبيل تبادل أحاسيس الحب والاحترام في قلوب الأبناء لأهلهم ويجب إيجاد صيغة للتفاهم لرعاية الأطفال بعد الطلاق بتنسيق صحيح بين الطرفين وهذا ما أمرنا به ديننا الحنيف أيضا حتى بعد الطلاق ويجب مصارحة الأبناء بما حصل دون إظهار عيوب الآخر وإعطاء الأبناء حياة سعيدة حتى بعد الطلاق من الطرفين.

وطأة الشعور بالوحدة

الدكتور علي مرزوق الاختصاصي في علم النفس أشار إلى أن أنه في أوقات الأزمات أو تحت وطأة الشعور بالوحدة لدى الأبناء واهتزاز ثقتهم بأنفسهم وفي قدراتهم على تحمل الضغوط والظروف المعاكسة كانفصال مؤكد لوالديهم.. في تلك الظروف ينخفض تقدير الأولاد للذات وتختل الثقة في دقة الأحكام الشخصية ويصبح المراهق أوفر استعدادا للاعتماد على الآخرين بهدف مقارنة الذات بالآخرين ثم التحقيق أو تعديل الآراء والأحكام الشخصية أو التماسا للمساندة النفسية الوجدانية.

وأضاف مرزوق أن مرحلة فقدان الطفل لثقته بنفسه نتيجة ابتعاد والديه عن دورهم المباشر لتربيته هي بالفعل مرحلة الانفعالات والتي تتوالد داخل الأبناء بشدة وتصبح قوية وغير ناضجة، ومبالغاً فيها وغالباً ما يكون الطفل في هذه المرحلة غير متوازن انفعالياً ويحتاج بشده إلى الضبط الانفعالي، ويغلب عليه التقلب والانتقال من حاله إلى حالة أخرى وبسرعة نتيجة الصدمة وفقدان عنصر القدوة وتكون عواطفه قوية وكثيراً ما يشعر بالاكتئاب ومشاعر الكدر وارتباطه بالآخرين اعتمادي بشكل يحتاج إلى الإرشاد، ويغلب عليه المثالية ومشاعر الذنب كما يصدر منه سلوكيات عنيفة وعدوانية في بعض الأحيان.

ويجب التركيز على انفعالات الأبوين أمام الأبناء وعدم اللجوء إلى تشويه صورة كل منهم الآخر أمام الأبناء.

عبدالرحمن الوهيبي