نظر أحدهم إلى خنفساء، فقال لنفسه: لماذا يخلق الله مثل هذه الخنفساء؟! فابتلي بقرحة أعيته في طبها، فأشار عليه حكيم أن يحرق خنفساء ويذر رمادها على القرحة، فبرئ بإذن الله!
سبحان من جعل شفاءه في خنفساء، ليس في الكون عبث، وما خلق الله شيئاً باطلاً، الكل يؤدي دوره. المجنون يعلم الناس قيمة العقل، المريض يشير إلى تاج الصحة على رؤوسنا، المقعد يلفت نظرنا إلى ثوب العافية والقدر الذي يجللنا.
رؤي الشافعي ـ رحمه الله ـ يبالغ في إكرام أعرابي ويتأدب بين يديه، فسألوه متعجبين، فقال: هذا أستاذي، تعلمت منه متى يبلغ الكلب!
نعم، يوجد في الساقية ما لا يوجد في البحر، وليس هناك صغير في البشر، كلنا عظماء، كلنا أكابر، كل واحدٍ منا فيه سر الله، و«الناس سواسية كأسنان المشط».
كم من عالم كبير ولدته امرأة لا تقرأ ولا تكتب، كم من فاتحٍ عظيم كان أبوه عبداً مملوكاً! وكم من عبقري حكيم خرج من رحم بيئة متواضعة الإمكانات والمزايا!!
كان طالوت الملك دباغاً، وداود العظيم كان حداداً، وسليمان الكبير كان خواصاً. آينشتاين رسب في مادة الرياضيات ثلاث سنوات، وكان داروين يهرب من المدرسة ليتسلق الأشجار، واعتبر أديسون غير قابل للتعلم، وطرد نيوتن من المدرسة، وكم في الزوايا من خبايا!!
نحن أبناء أم واحدة، وكلنا ورث تلك الجينات الفريدة لأبينا النبي الأول، والعطاء الإلهي لا ينقطع عن الكل، والساقي باقي.
إن مقعدك في صف الحياة لا يمكن أن يملؤه غيرك، ووجهك مثل بصمة إصبعك لا يتكرر في الوجود أبداً، أنت نسخة يتيمة صاغتها يد القدرة الأزلية. وتحسب أنك جرم صغير ـ وفيك انطوى العالم الأكبر. أنت قدر إلهي، ذو لون خاص، ونكهة مميزة، ولك في هذا العالم مهمة لا يمكن أن ينجزها غيرك.
إذن، ما الذي يؤخرك؟ لماذا تتردد؟ تقدم فالمجال فسيح، ومكانك محفوظ، والعالم لم يعد كما كان قبل أن تخرج أنت إليه، ولن يعود كما كان يوم ستغادره، فاعمل «فكل ميسر لما خلق له».
محمد موسى ـ دبي