ما أن تنتهي هيئات الكهرباء والمياه في الخليج عموما من حملات الإرشاد التي تهدف إلى التقليل من كميات المياه المهدورة، حتى تبدأ بغيرها، فهي تجتهد كثيرا للوصول إلى هدفها عبر توعية السكان بأهمية المياه خاصة وإننا نعاني في منطقة الخليج من ندرة في المياه الجوفية، ما يضطر الحكومات إلى تحليه مياه البحر، الأمر الذي يكبدها تكاليف مادية عالية، ورغم ذلك فكمية المياه المهدورة تبقى عالية مقارنة مع ما يصرف على الحملات الترشيدية.
لقد كان موضوع هدر المياه مثار اهتمام المصري ماجد محمد الجوهري، المقيم في الإمارات الذي اعتاد منذ صغره على إغلاق «الحنفيات» التي تنساب منها المياه دون فائدة، ليشكل هذا السلوك فيما بعد محفزا له لابتكار جهاز صغير يعمل على توفير نحو ثلث كميات المياه المهدورة. «البيان» التقت الجوهري الذي حدثنا عن ابتكاره بالقول: «لطالما أثارت المياه المهدورة اهتمامي منذ صغري، وقد عرفت أهميتها عندما دخلت لأول مرة محطة تحليه المياه في السعودية أثناء عملي وإقامتي فيها، حيث لمست مدى التكلفة العالية التي تتكبدها الحكومة في سبيل تحليه المياه، وإنجاح حملات الترشيد التي تتبعها الحكومات في منطقة الخليج التي تعاني أصلا من شح في مصادر المياه».
وأضاف: «في العام 2002 بدأت أبحث عن فكرة تمكننا من حفظ المياه وتقلل من نسبة الهدر، وانطلاقتي كانت من أسباب أو أغراض استخدامنا للمياه، وقد وجدت أنها كثيرة وأن لكل واحدة منها سلوك وحركة ميكانيكية معينة وكمية مياه محدودة ورغم ذلك نعاني من هدر في المياه، ووجدت أن أفضل طريقة للتوفير تكون في ابتكار منظم يوفر المياه دون أن يشعر المستهلك بأية تغييرات على حركته الميكانيكية، بحيث يعمل على تدريجها لتشبه في عملها موج البحر، على أن تكون فترات التخفيض متتالية وأثناء عدم استخدام المياه». ويشير الجوهري إلى أنه صمم جهازه بطريقة تضمن توفير ثلث كمية المياه المستهلكة في الدقيقة الواحدة، حيث يعمل المنظم على تخفيض كمية المياه المنسابة من «الحنفية» كل 20 ثانية، دون التأثير على سرعة المياه، بحيث يضمن ذلك عدم شعور المستهلك بهذا التخفيض، وفي ذلك يقول الجوهري: «لقد ناقشت هذه النقطة مع أساتذة وطلبة كلية الهندسة في القاهرة، وتوصلت إلى أن سرعة المياه تزيد كلما انخفضت كمية المياه المنسابة، وبالطبع فهذا يؤدي إلى عدم شعور المستهلك بعملية تخفيض المياه».
وحول جهاز المنظم يقول الجوهري: «المنظم عبارة عن قطعة ميكانيكية يتم تركيبها على الخط الرئيسي الواصل إلى الوحدة، دون الاضطرار لإجراء أية تغييرات في التمديدات الداخلية للوحدة، وهو يعمل أوتوماتيكيا بمجرد فتح الحنفية ويتوقف مع إقفالها، وأثناء عمله يقوم بتدريج كميات المياه المنسابة بدلا من نزولها بكمية وسرعة ثابتة، ولكن تطبيق الفكرة استغرق فترة طويلة بسبب اضطراري للتعامل مع ما هو متاح في السوق من قطع أولية، والتي اضطررت لإجراء تعديلات على بعضها لتتوافق مع فكرة الجهاز، وحتى مولد الكهرباء فقد حرصت أن يكون ذا عزم بسيط وعدد لفات قليلة في الدقيقة حتى يتمكن من أداء الغرض المطلوب دون استهلاك لكميات عالية من الكهرباء».
تكلفة بسيطة
وبنظرة بسيطة على الجهاز نجد أنه ثابت في تصميمه ولكنه مرن للغاية من حيث إعداد التوقيت الزمني والحجم بحيث يتوافق مع حجم الوحدة والخط الرئيسي الواصل لها، وكانت فكرة المنظم قد نالت إعجاب جميع من رأوه في كليات الهندسة بالقاهرة، وقد وصفه البعض بأنه السهل الممتنع، وأنه استطاع أن يحقق المطلوب بأقل التكاليف وبأقل فلسفة ميكانيكية وهو ما جعل تطبيقه سهلا للغاية، ويشير هنا الجوهري بأن التكلفة الإجمالية للمنظم لا تتجاوز الـ 100 درهم فقط، وتنخفض التكلفة إلى النصف عندما يتم إنتاجه تجاريا.
ابتكار
لحماية ابتكاره قام ماجد الجوهري بتسجيل منظم المياه الأوتوماتيكي في أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا التابعة لوزارة البحث العلمي في القاهرة، وبعد اعتماده تم طرحه في العدد 105 من نشرة طلبات براءات الاختراع المقدمة للأكاديمية والتي صدرت في يوليو العام الماضي.
يقول الجوهري: «قد يشكل منظم المياه الأوتوماتيكي حلا لمنطقة الخليج التي تعاني من ندره في المياه الجوفية، وقيامها بتحليه مياه البحر وإطلاقها لحملات الترشيد إنما يعكس مدى اهتمامها في موضوع المياه»، ويشير إلى انه لا يزال يمتلك العديد من الأفكار المفيدة القابلة للتطبيق، ولكنه لا يزال يبحث عن الجهة التي تساعده في تطبيق أفكاره وإخراجها للواقع.
غسان خروب


