تربينا منذ نعومة أظفارنا على أن المعلم يتطاول رفعة ومكانة حتى يكاد أن يكون رسولا.. وتشربنا في قرارة قلوبنا ونفوسنا أن من علمني حرفاً كنت له عبداً.. ولم نكن ندرك أنه سيأتي اليوم الذي تتعالى فيه أصوات المعلمين وتبح حناجرهم ليطالبوا بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبتهم التي باتت في مهب الريح...!

فقد طلب عدد من معلمي الساحل الشرقي من وزارة التربية والتعليم أن تتخذ موقفا إيجابيا ومغايرا عما عليه الوضع حاليا يعيد لهم كمربي أجيال هيبتهم المفقودة، على اعتبارهم أنهم يعملون على نشر العلم وترسيخ قيم الثقافة الأخلاقية، ورأى معلمون أن التراخي في التعامل بحزم مع قضايا تربوية مختلفة وتحيزها في كثير من التعاميم ضدهم وسّع الهوة بين المعلم والطالب، بل أعطى ذريعة لأولياء الأمور وكذلك للطلاب في التسيب وعدم الاحترام والتمرد غير آبهين بالقيم والمثل، مناشدين الوزارة بأن تضع قواعد واضحة من شأنها حفظ حقوقهم التي كفلتها أنظمة الدولة، مع تقويمها وتعزيزها في إطار ضبط المناخ التعليمي في مدارس التعليم العام والخاص على حد السواء، تعمل على وضع هيبة المعلم على رأس أولوياتها.

وفيما حاول مسؤولون من جانب آخر الحيلولة دون اعتبار أن التعليم وصل إلى وضع سيئ ووصول الأمر إلى حد التطاول على المعلم والاستهانة به، موضحين أن المجتمع التربوي محافظ على قيمته وشخصيته التربوية منذ عشرات السنين ولايزال فلا يجب تضخيم المسألة وتجسيمها، ضمن حالات فردية لا تعد كونها آراء شخصية تعبر عن ذاتها ومعتقداتها.

وأوضح مشعل الخديم رئيس قسم الإدارة التربوية بمنطقة الفجيرة التعليمية بأن موضوع فقد المعلم لهيبته لا تعد ظاهرة ولا يمكن تعميمها على اعتبارات متعلقة بالسماح بالضرب أو وسائل عقابية أخرى، موضحا بأن ذلك يعتمد على شخصية المعلم الذي يفرض ذاته ونهجه في أساليب التعليم داخل الفصل وخارجه، وهذا بناء على خبرة شخصية سابقة في الميدان التعليمي، وليس في الضرب أو أساليب أخرى التي لا تعد علاجا وأساسا في المسيرة التعليمية التي بدورها تعتمد على منهجية واضحة ومحددة في عملية التهذيب والتعليم. ولفت إلى أن هناك أنواعاً من المعلمين يحددون فرضية الهيبة، فالبعض يتخذ التدريس مصدراً للرزق، وفيما البعض الآخر يعتبر التعليم رسالة لابد من تأديتها لما تحمله من معانٍ تقدس هذه المهنة السامية، غير أنه ربما أفقد المعلم شيئاً من هيبته عدم وجود امتيازات توفيه حقه إذا ما تم مقارنتها بالوظائف الأخرى من حيث الامتيازات والمؤهلات والترقيات العالية، فالمعلم يعاني في ظل الاستناد على التحديات التربوية الحديثة، ما شجع عددا كبيرا من الملتحقين في قطاع التدريس للاتجاه للعمل في وظائف أخرى وخصوصا من الذكور.

ارتخاء وثاق التربية

من جانب آخر أشار الأستاذ علي مطوع، نائب مدير مدرسة إلى ارتخاء وثاق التربية، الأمر الذي ساعد الطلاب وأولياء أمورهم بشكل غير مباشر على التهجم على بناة الأجيال بإصدار تعاميم من قبل الوزارة شديدة اللهجة تقتضي عدم المساس بهم بأي حالٍ من الأحوال، الأمر الذي أضعف مكانة المعلم وأصبح مكان استهجانٍ عند الطلاب.

ناهيك عما خلفته من آثار سلبية في المناخ التعليمي وعلى سبيل المثال تزايد معدلات التسيب الدراسي، مبينا أهمية عنصري الثواب والعقاب في العملية التربوية، مع العلم اليقين بأن العملية التربوية إن لم تكن معادلة الثواب والعقاب فيها معادلة موزونة وبنفس الميزان المتفق عليه بين التربويين، فإنها تفقد أهم مقوماتها إن لم تفقد مقوماتها جميعها.

وأضاف مطوع عن مطالبتهم دائماً بالتربية بالتكامل مع الجانب التعليمي، فأنا أمضيت في القطاع التعليمي عقدين من الزمن تغيرت فيهما ملامح التربية والتعليم في الإمارات، وقال: كنا إبان تخرجنا في الجامعة نخشى ونحن معلمين أن نعبر أو ندخل مكانا يكون فيه معلم قد درسنا، ولا تزال حالنا كذلك هيبة واحتراما له.

لافتا إلى أن المعلمين بصفة عامة صارت جهودهم كثيرة ومعاناتهم أصبحت لا تحصى ولا تعد بعدما كان يحسب لهم ألف حساب، فالأعباء الإدارية الجديدة بالإضافة إلى أساليب التدريس الحديثة أثقلت كاهلهم وجعلت منهم شمعة ذابلة، تطالب من يعيد تألقها ورونقها.

القصاص من المعلم

وذكرت هدى علي سلمان، سكرتيرة في روضة أطفال أن الشيء المحزن هو رؤية أولياء الأمور وهم من الفئات المتعلمة يشجعون أبناءهم على أخذ حقوقهم بشكل غير مباشر من المدرس الذي لا حول له ولا قوة من منطلق انفعالاتهم وتصرفاتهم الهجومية اللامسؤولة في مواجهة هذا الإنسان في مقر عمله أمام زملائه وبين طلابه، مع ضرورة أخذ القصاص منه مهما كان الثمن سواء في المنطقة التعليمية أو الوزارة أو حتى في الشرطة، ما يجعل من السهل التطاول على المدرس والتهجم عليه بأي شكل من الأشكال، وساهمت معها القرارات الصادرة من الوزارة في فقد المدرس أهم مقوماته في المنظومة التربوية حتى بات يخشى على نفسه في أي لحظة أن ينال عقابا لا تحمد عقباه أبدا.

وتذكر هدى حادثة وقوع طالب أثناء لعبه في الفسحة، وكانت إصابته بسيطة فتم معالجته في المدرسة ومن ثم تم أخذه فترة الدوام إلى الصحة المدرسية وأخذ الفحوصات الطبية اللازمة له للتأكد من سلامته التامة، إلا أن والديه أتيا منذ الصباح الباكر ومعهما الطالب متسائلين عن سبب عدم إخبارهما فور سقوطه وأخذ الفحوصات عليه.

حيث أكدت مديرة الروضة بأن إصابته بسيطة ولا تشكل خطرا عليه يستدعى إبلاغهما وحضورهما، إلا أنهما أصرا وأكدا برفع شكوى على الروضة إلى المنطقة التعليمية وكذلك الوزارة.

وأوضحت خولة النقبي، معلمة مجال أن ما يشهده المجتمع من انفلات واضح في السلوك عمقته التغيرات الحديثة يعد أحد إفرازات الخلل البين في استخدام معادلة الثواب والعقاب في المدارس، مبينة أنه عندما نستصحب مفاهيم المنهج الإسلامي في معالجة السلوك المشكل، نستطيع الرؤية بوضوح أن مما أقره الدين بل وأمر به العقاب، وذلك عندما لا تجدي الأساليب التربوية الأخرى باعتبار أن طبائع البشر تختلف اختلافا واسعا جدا، واختتمت بالتأكيد على أن العقاب ضرورة تربوية لا ينبغي التخلي عنها وفق الضوابط الشرعية والتربوية المتعارف عليها، وهذا ما تم حذفه من مقومات الوزارة التي أصبحت تمثل وصفيا من قبل عدد كبير من الأفراد بوزارة التعليم فقط.

وأشارت لمياء عبدالله ، معلمة إعدادي إلى أهمية العلاقة التكاملية بين الأسرة والمدرسة، فما تحمله الأسرة من قيم وما تهدف لغرسه من سلوكيات وأخلاق ومعرفة في أبنائها، هو ذاته ما تحمله المدرسة (البيت الثاني للطالب).

والتي ينبغي أن تكون سائدة في العلاقة ما بين المعلم والطالب، والتي كانت تستند عليها المنظومة التعليمية في السنوات الماضية وأخرجت أولياء الأمور الحاليين الذين ساهموا في دور كبير في ارتخاء العملية التدريسية في الوقت الحالي لا العكس، مؤكدة أهمية مشاركة وسائل الإعلام جميعها وبكافة مستوياتها وأنواعها في تهذيب الأخلاق ونشر ثقافة الحوار والتوعية بأهمية العلم والتعليم، كما أن للمجتمع بكافة مؤسساته الرسمية والأهلية دورا بارزا في المساهمة في ذلك من خلال والأندية والملتقيات الثقافية والاجتماعية.

ناهد مبارك