للذاكرة، حتى لا ننسى، ونحن العرب نستخدم نعمة النسيان في نسيان مآسينا والمخططات المحبوكة ضدنا، فلابد أن نتذكر أن نتنياهو لم يسقط من السماء على رأس الحكم والسياسة في (إسرائيل) بل جاء على أكتاف أصوات المقترعين في انتخابات عامة مباشرة.

فالرجل والطفل والشيخ والمرأة من جلدته صوتوا لبرنامجه، مما يعكس من جهة التوجه اليميني المتزايد لدى المجتمع الإسرائيلي، ومن جهة أخرى يعكس رغبة إسرائيلية باستكمال برنامج كبير بدأه الغائب الحاضر شارون، برنامج الدولة العبرية وإغلاق أبوابها بعيدا عن الجيران المزعجين.

نتذكر أن شارون الأكثر تطرفا ويمينه هو من قمع المستوطنين بالقوة، وأجبرهم على الرحيل عن غزة، بطبيعة الحال لم يكن في ذلك يستجيب لآهات الغزيين الرافضين للوجود الإسرائيلي داخل أرضهم، أو أن ضميره استفاق فجأة لإحقاق الحق، لكن خطوته تأتي ضمن استراتيجية طويلة المدى بدأها بالجدار، واستكملها بالتهويد، وعزل فلسطيني 48، إستراتيجية تقول إن ضمانة استمرار الدولة العبرية هي أن تكون لهم وحدهم، يغلقون (باب حارتهم على أنفسهم).

في هذا السياق تبدو فكرة التعايش مع الفلسطينيين ضربا من الماضي فالقرار الإسرائيلي بات واضحا أن قيام دولة فلسطينية سيشرع لبداية تأسيس فكرة الحق الفلسطيني الذي لن تنتهي حدوده عند الضفة وغزة، ومع بروز حركة حماس كحركة إسلامية تغلغلت في الشارع الفلسطيني بأديويوجيتها المعروفة، فإن رفض دولة بأجندة إسلامية يبدو أكثر إالحاحا لدى الداخل الإسرائيلي.

لكن وفي الجانب الآخر فإن فشل حل الدولتين يعيد بشكل أوتوماتيكي فكرة حل الدولة الواحدة، ثنائية القومية للشعبين، لكن الراصد لتصريحات الساسة الإسرائيليين حول الدولة الواحدة يدرك مدى كابوسية هذه الفكرة، ولعل تحذير نتنياهو في مؤتمر هرتزيليا 2008 من أن فشل حل الدولتين سيجعل الفلسطينيين يطالبون بحل الدولة الواحدة على غرار جنوب إفريقيا.

وليس صحيا أن قدوم اليمين سيعطل السلام، ودمرت غزة بقيادة كاديما الأكثر اعتدالا، العلة الحقيقية أن إسرائيل في هذه اللحظة لاتملك مشروعا سياسيا قابلا للطرح، أو التفاوض، هناك مشروع واحد هو تصفية القضية الفلسطينية بهضم الأرض وإلحاق ما تبقى منها بمصر والأردن.

هذا المشروع ينتظر إنجازه أن تستكمل إسرائيل وضع يدها على القدس، وتهويد محيط الدولة العبرية، والمؤسف فلسطينيا الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، ووجود نخب سياسية ما زالت ترى في لعبة المفاوضات بذات الكيفية تصل بالفلسطينيين إلى دولة فلسطينية، فالمفاوضات الآن كما المقاومة بحاجة لمراجعة في الأساليب والكيفية حتى لا تُساعد إسرائيل ويُختصر عليها الوقت لاستكمال مشروعها، وبذلك نسمح لها أن تجهض حل مرحلي يقوم على دولة مستقلة في الضفة والقطاع.

فإذا لم يكن لدى (إسرائيل) مشاريع على الطاولة، فهل ستثير هذه الطاولة الفارغة حفيظة العرب لسحب مبادرتهم هم أيضاً عن الطاولة، ليقولوا لها إما طاولة تأتي بالحد الأدنى، وإما فلنقلب الطاولة!

محمد أمين ـ دبي ـ (إعلامي)