لا شك في حقيقة خير هذه الأمة.. أمة الإسلام، فالخير فيها باق إلى يوم الدين، وذلك لان كثيرا من مبادئ الرسالة المحمدية سارية ومعمول بها كأفضل ما ينفع الناس، وأحد هذه المبادئ وربما أهمها، مما يقوم عليها الدين الحنيف هو مبدأ(التكافل) ذلك المبدأ الذي يمزج بين الناس، ويشملهم بالود والتراحم ويقسم لهم السعادة بما يضمن الاستقرار.
قد يخبو هذا المبدأ لدى البعض حينا بدواعي العولمة أو العصرنة، وحينا لترك الناس لشؤونهم الخاصة، ما لم يسالوا أو يطلبوا العون، ومن باب احترام الخصوصية (المبرر العصري السمج) الباب الذي كرس العزلة، وأشاع التجاهل بين الناس، وافرز السلبية بعدم المبادرة إلى سد حاجة المحتاج وإعفائه من السؤال. مقدمة كان لابد منها للدخول إلى خيمة التكافل والحديث عن صورة تجلت فيها مظاهر العقيدة بشكل عملي. ففي المنطقة الشرقية وفي مدينة دبا الحصن تحديدا رأيت تلك الصورة الواضحة من صور التكافل الحقيقي في زمن ظن العوام الأكبر من الناس انه قد انتهى من الدنيا، تاركا الساحة لمشاعر الأنانية ومظاهرها الصارخة في كثير من مدننا العصرية.
وانه ما عاد للناس فضل لبعضهم على بعض. لكن ما رايته في تلك المدينة التي تحولت إلى شبه قرية ربما، بعد نزوح سكانها وتقلص أراضيها، جعلني أعيد النظر مرتين، وأقول إن ما رأيته دفعني إلى تسطيره ونقله في هذه المساحة من أجل التأكيد على أن روح التكافل الإسلامي البناء لا تزال سارية في مجتمعنا، وأن الخير باق ما بقيت الأمة مع بقاء الدنيا.
وأما الصورة التي اعنيها فقد تمثلت في اتفاق السكان في المدينة على ضرورة ترشيد الإنفاق، وعلى ضرورة توفير احتياجات السكان بما يعفيهم من البحث عنها في المدن الرئيسة، خاصة أنها تبعد عشرات الكيلومترات عن مقار إقامتهم، وتفتق أحد اجتماعات الأهالي عن ضرورة تأمين خيمة كبيرة لمناسبات الأهالي واحتفالاتهم واجتماعاتهم، وما يدعو للسرور أن المقتدرين قد ساهموا في شرائها وخصصت لاستفادة الجميع من دون استثناء، فقد جعلت كمرفق عام متاح لمن احتاجه، ولم يحرم أي ممن يود المساهمة بدفع مبلغ رمزي على سبيل الاستئجار عند الاستخدام، ولعل المبلغ يوجه للمنفعة العامة كصيانة الخيمة أو لسد حاجة معوز.
والحقيقة أن هذه المبادرة قد وضعت حدا لكثير من المعوقات وعالجت عددا من المسائل، فهي وإلى جانب تعزيزها لأواصر غاية في الأهمية وهي التواصل الاجتماعي والإنساني، فإنها ساهمت بالحد من الإنفاق على المناسبات التي تتطلب قاعات كبيرة يضطر الناس غالبا إلى حجزها قبل عدة شهور، وبمبالغ باهظة كالقاعات التابعة للفنادق، والتي كثيرا ما يفرض مسؤولوها مواعيدهم المتوفرة حتى لو خالفت رغبة الشخص المستأجر، الأمر الذي يرهق ميزانيات الأفراد، ولاشك يربك نفسياتهم. إذن مبادرة أهالي دبا جعلتهم يتحكمون في مناسباتهم ومواعيدها، ومنحتهم فضل التنسيق في ما بينهم، ووثقت لحمتهم وأواصر تواصلهم، ويسرت لهم إقامة مناسباتهم السعيدة منها وحتى الحزينة التي لا تخرج عن إرادة الله. لقد وجدت المشاركة والمساهمة في شراء هذه الخيمة فكرة ناجحة وناجعة لكثير من مظاهر الهدر والإسراف غير المبرر من جهة، وعوامل الانعزال والقطيعة من جهة ثانية.
إنها مبادرة لفكرة نبيلة دفعت إليها روح التكافل الإسلامي الحقة لتعبر بها في أجمل صورة من صور التواصل، هي فكرة تستحق الإشادة والفخر والتعميم، فهنيئا لأهالي دبا الحصن هذا التقارب فيما بينهم، والذي لم تفلح في تقويضه كل صيحات العصرنة، وكل دعوات التحضر في جانبه الغريب.
علي عبد الرحمن - الإمارات
