تتفق أغلبية مؤلفات علم نفس النمو الحديثة على أن مرحلة المراهقة من أهم مراحل النمو وأكثرها تأثيراً في حياة الفرد، حيث تحدث فيها تغيرات نفسية واجتماعية وفسيولوجية عديدة تترك أثراً واضحاً في تكوين وبناء شخصية المراهق. ويتخذ تأثير هذه المرحلة منحى ايجابياً إذا ما أحسن توجيه المراهق وجهة صحيحة وسليمة.

إن معاناة الآباء والمعلمين ينبع من عدم فهم حاجات المراهق والتعامل مع أولوياته، وأول صدام للمراهق مع المجتمع، يكون خاصا بالصراع النفسي لنيل متطلبات الجسم وتأكيد الذات، فيخوض أزمة ضرورية للتوفيق بين ما يريده هو، وما يريده الآخرون، وبالتالي تجد اغلب المراهقين يلجأون إلى الطريق الأقرب إلى السرعة كي يدمنوا على المخدرات.. التقينا مع عدد من الأطباء والمتخصصين في علم النفس ليقولوا لنا ما دور التنشئة في الإدمان وتعاطي المخدرات.

قال الدكتور علي مرزوق محمد، استشاري علم النفس الإكلينيكي وتعديل السلوك: إن الإدمان هو التعود على تناول مادة ما، لها أثر على الجهاز العصبي، والعجز عن التوقف عن تناولها، وما يترتب على ذلك من تغير في حالة الوعي، وعادة ما يكون هذا التغيير من نوع التعتيم وأحيانا التهييج أو الإبدال (إبدال مستوى وعي بمستوى وعي آخر).

وأضاف: يترتب على هذا التغير والتعتيم إعاقة عن ممارسة واجبات الحياة العادية، وخاصة عن الإنجاز في العمل، وإفساد العلاقات الاجتماعية، إضافة إلي حدوث مضاعفات تؤثر على الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية.

صور الإدمان

ولكن هل يقتصر الإدمان على المخدرات والكحوليات والمكيفات بأنواعها أم يتعداها إلى التدخين والطعام والشراب وغيرها من بعض السلوكيات المعتادة والشائعة؟

إذا آخذنا المفهوم الأصلي العام لفكرة الإدمان فإنه يمتد إلى أنواع كثيرة من السلوك بل ان الإنسان قد يدمن الأفكار والمعتقدات وبعض طرق البحث (العلمي) إذا يكررها بلا جدوى رغم رغبته في التخلص منها إلي ما هو أحسن. كذلك قد يدمن البعض وسائل ترفيه معينة أو العادات الاستهلاكية فأنا لا أستطيع أن أفصل الدعاية التي تهاجمنا ليل نهار لتروج لما يسمى مجتمع الرفاهية، أو تسوق ما تسميه بعض شركات الأدوية حبوب الطمأنينة والبهجة السحرية، لا أستطيع أن أفصل هذا أو ذاك عن المصيبة التي نعيشها واسمها الإدمان فكل منها يروج لنوع من صور الاستهلاك الذي يضر أكثر مما ينفع، ويشل الإرادة ويخدر الوعي بشكل أو بآخر وان اختلفت اللغة وتعاظم التبرير.

وكيف يتخلص الإنسان من الإدمان، وكيف يتجنبه؟

الشائع هو اليأس من علاج الإدمان، والحقيقة هي العكس، وأقول إن للإدمان علاجا ولكن لابد من تقبل احتمالات النكسة ثم الاستمرار لمدة كافية وأنبه إلى أن الانقطاع عن المخدر ليس هو العلاج لكنه البداية والمدمن لا يحتاج إلي من يقول له هذا مضر وإنما إلى بديل يحقق له ما يحتاجه بدون مخدر.

وأوضح أن العلم لم يستطع اكتشاف دافع الإنسان إلى تناول الخمر الاختياري بشراهة إلى حد الإدمان، والعلاج يكون إما بالطريقة الحديثة أو الفضفضة وتناول بعض الفيتامينات، إلى جانب حضور جلسات العلاج الجماعي التي تقوم بها جمعية مدمني الخمور المجهولين. لكن الأبحاث والإحصاءات التي أجريت مؤخرا تؤكد أن هذا النوع من العلاج لا ينجح مع جميع المدمنين، فنسبة نجاحه تصل إلى عشرين بالمئة فقط، وهذه النسبة تنطبق أيضا على مدمني المخدرات بأنواعها والذين تسهم الجمعية في علاجهم.

نوع الصحبة

وقال مرزوق: لابد أن نفهم أن المدمن يحتاج إلي صحبة شريفة، ويحتاج إلى تحريك وعيه إلى حد الإبداع، كما يحتاج إلى ان يحترم وجوده. وأشار إلى أن أسباب الإدمان متنوعة وفقاً لظروف كل مريض، ومنها المعاملة القاسية داخل المنزل، والتجارب المريرة التي مر بها، وسيطرة بعض أصدقاء السوء، واللجوء للمخدرات على أنها دواء للهروب من المشاكل، والشعور بإحساس النضج الكامل والميل للتجربة المنفردة. وأخطر أسباب ألاالإدمان محاولة تجربة المواد المخدرة المنتشرة في أعمار ومستويات تعليمية وثقافية مختلفة. فالمفهوم الخطأ عند بعض الشباب أن تجربة جميع الأشياء واجبة ولا يهتم إن كانت ضارة أو نافعة فكل ما يشغل تفكيره هو الشعور بالحرية الزائفة التي يؤدي طريقها إلى دمار ربما أسرة بأكملها.

دور الصحة

وأكد علي مرزوق: إذا تسلح المراهق بصحة جيدة وكان لديه العديد من الأصدقاء، وتمتع بروح المرح وحب اللعب والانطلاق، سيكون مهيئاً بصورة كبيرة لعدم الخوض في إشكالات هذه المرحلة أو الوقوع في براثن مشاكل المراهقة من الإدمان والعدوانية أو غيرها. كما لا يمكن إغفال دور البيئة النفسية والأسرية المشجعة والمدعمة والمتفهمة لخصائص وأسرار وحساسية المرحلة التي يمر بها المراهق.

وأضاف علي مرزوق: إن الشاب يقوم في مرحلة المراهقة، أي البلوغ، بأدوار ما كان يفعلها أو يفكر فيها من قبل، مما يعني إن المراهقة عملية بيولوجية نفسية اجتماعية تسير وفق امتداد زمني متأثر بعوامل النمو البيولوجي والفسيولوجي. وهذه المرحلة تستحوذ على اهتمام كثير من الناس، وعلى المراهقين أيضاً لرغبتهم في تفهم أنفسهم، كما تهم الآباء والمدرسين. فهي مرحلة تغيير كلي شامل وليست أزمة نمو فحسب، تنتقل بالمرء من مرحلة الطفولة إلى الشباب والنضج، وتشمل تغيرات كبيرة وسريعة في كافة مجالات النمو البدني والجنسي والعقلي والعاطفي والاجتماعي.

دور المجتمع المحيط

ويرى د. مرزوق انه بعض المراهقين يعبرون هذه المرحلة بهدوء وسلام ويستطيعون التكيف مع التغيرات الداخلية ومتطلبات الأسرة والمجتمع، ولكن البعض الآخر يمر بأزمات داخلية وصراعات مع المجتمع. وهي تمر في المجتمعات الريفية بهدوء بينما الأمر يختلف في المجتمعات المتمدينة إذ تكون أكثر صعوبة وذلك لتعقد وكثرة متطلبات البيئة. وكذلك فإن المراهقة في البلدان العربية والإسلامية تمر أكثر هدوءاً من البلدان الغربية لأن الثقافة الإسلامية تعطي للمراهق ما يحتاجه من المثل والقدرات المعنوية التي تتطلبها هذه المرحلة.

ويرى أن من بين أهم الأسباب التي تجعل الفرد يستجيب للتعاطي والإدمان والسلوك غير الصحيح، وجود معايير اجتماعية لكل جماعة. فهو يصاغ من خلال خبرة تلك الجماعة، ويكون له تأثير ضاغط علي الأفراد المرتبطين بها، وتشكل كل الجماعات البشرية معاييرها من خلال خبراتها وأهدافها الخاصة، مثل التدخين الذي قد يجلب للمراهق الثناء من رفاقه وتقبلهم له والشعور بالرجولة.

المعايير الاجتماعية

والمعايير الاجتماعية قد تكون مظهرية أو مادية كالامتناع عن تدخين السجائر أمام الآباء في بعض المجتمعات العربية، أو قد تكون معنوية كالأمانة العلمية التي تتوقعها جماعات البحث العلمي من أعضائها، وقد تكون رمزية كما في الشارات أو أشكال الزي الخاص الذي ترتديه بعض الجماعات.

وتتشكل معايير الجماعة من خلال الخبرات المتراكمة عبر تطورها الزمني. وقد تكون مكتوبة كما في اللوائح والقوانين والدساتير العامة. وقد لا تكون بالضرورة مكتوبة. فنحن لا نتعلم احترام الكبير، أو احترام الوقوف في الصفوف، أو المحافظة على الهدوء في المكتبة والمسجد، وتجنب الضحك والمزح في المناسبات الجادة، نحن لا نتعلم هذه الأشياء من خلال كتب أو قواعد مسجلة أو قوانين، إنما من خلال استجابات أفراد المجتمع بالاستهجان أو التحبيذ لهذا التصرف أو ذلك.

وعندما تشكل الجماعة معاييرها تحاول بشتى الطرق فرضها على أفرادها، وينصاع الأفراد لتلك المعايير حتى لو كان فيها أحيانا تشويه لحكمنا الذاتي، وأخلاقياتنا. وتبين التجارب أن الانصياع يزداد كلما كان للجماعة جاذبية خاصة، كما يزداد عندما يكون الموقف غامضا، وتكون فكرة الفرد عنه غير كاملة. وتلعب سماتنا الشخصية ومفاهيمنا الخاصة عن الآخرين دورا كبيرا في ازدياد قدرتنا علي الانصياع أو انخفاضها. فالأشخاص الذين يفتقرون إلى الثقة بالنفس والإحساس بالأمان غالبا ما ينصاعون للضغوط أكثر من غيرهم ممن يتميزون بقدر من الثقة بالنفس والمركز الاجتماعي.

وقال علي مرزوق: إنه رغم انخفاض أهمية الصداقة كمصدر مستقل للسعادة بالقياس إلي الزواج أو الحياة الأسرية، فإنها أهم في المتوسط من العمل والاستمتاع بوقت الفراغ. وأن كان هذا لا يصدق بالنسبة للبعض، كالرجال في منتصف العمر مثلا. فإن الصداقة تصل إلى أقصى درجات أهميتها عند الشباب. وأكد دكتور علي في ختام حديثه على أن الفراغ نعمة يغفل عنها كثير من الناس، فنراهم لا يقدرونها حق قدرها، ويقول أحد الصالحين: «فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى، وانجرَّ في قِياد الشهوات، شوّش الله عليه نعمة قلبه، وسلبه ما كان يجده من صفاء قلبه».

عايدة هاشم: الإنسان بحاجة دائمة لتخفيف التوتر الناجم عن دوافع السلوك

تقول عايدة هاشم محمد، دكتورة علوم اجتماعية ونفسية نائب مدير مركز الراشد للتنمية ومديرة التدريب: ان التحليل النفسي لتعاطي المواد المخدرة يأتي، في صميم كل شخص، من دوافع أساسية تمد وجوده السيكولوجي بالقوة المحركة على مدى الحياة.

مضيفة: ان النفس الإنسانية تتميز بحاجة دائمة إلى تخفيف التوتر الناجم عن هذه الدوافع التي يشعر بها المرء على هيئة إحساس بالضيق وحين يخف التوتر يشعر باللذة، وذلك للهروب من الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية، ويثير الرغبة الجنسية ويطيل من مدة العملية الجنسية.

وأشارت عايدة إلى أن هذه هي الدوافع الشعورية التي يذكرها المتعاطون ويدركون أنها التي دفعت بهم إلى تعاطي الحشيش أو المخدرات والاستمرار في تعاطيها، ولكنهم يجهلون تماما الدوافع الحقيقية وراء تعاطيهم، إذ إنها خارجة عن حيز الشعور، فهي تقبع في الأعماق حيث اللاشعور الذي لا يقدر المتعاطي على الكشف عما به من دوافع أصلية.

فظاهرة تعاطي الحشيش مثلا هي اقرب إلى اللامعقول، ومن ثم فإن منطق الشعور لا يصلح لفهمها. لذا فإن الانقياد وراء الدوافع الشعورية لتعاطي الحشيش سيقودنا حتما إلى المجهول، ومن ثم علينا أن نتذرع بنظرية التحليل النفسي التي ستميط لنا اللثام عن تلك الدوافع اللاشعورية التي يجهلها المتعاطي ذاته.

وأكدت عايدة أن دليل التشخيص الإحصائي الرابع يبين لنا أن هناك تغيرات نفسية أو سلوكية غير توافقية ذات دلالة إكلينيكية تحدث إثناء أو بعد تعاطي الحشيش بفترة قصيرة، كالضعف في التآزر الحركي، والشعور بالخفة أو بالنشاط، والقلق والإحساس ببطء الزمن، كما أن هناك أيضا تغيرات تحدث خلال ساعتين من التعاطي كالتهاب الملتحمة، وزيادة في الشهية، وجفاف بالفم وخفقان القلب، ومن أكثر الأجهزة التي تتأثر في جسم المتعاطي، الجهاز التنفسي، فيضعف من كفاءة المناعة ويجعل المتعاطين عرضة للإصابة بالأمراض المعدية وغالبا للالتهاب الرئوي.

أهم الأعراض

ورأت أن من أهم الأعراض هي السعال، وصعوبة التنفس، وزيادة كمية البلغم وضعف وظيفة الرئة وقد يزيد من خطر الإصابة بسرطان الجهاز التنفسي. وقالت الدكتورة عايدة عن الإطلالة التاريخية لمادة الحشيش: عرفت بنبات أشير إليه في كتاب ألفه الإمبراطور الصيني شنج نانج سنة 2737 ق.م، وسمي بكتاب «المحررين الآثام» واستغل الصينيون ألياف هذا النبات في صنع نوع معين من الأقمشة، وفي القرن الثامن قبل الميلاد عرف بين الأشوريين بأنه يؤدي إلى حالة معينة من التخدير، وفي القرن السادس قبل الميلاد اعتبر دواء يزيل الآلام والأحزان.

عبدالرحمن الوهيبي