الحديث عن الآلام التي تسببها المخدرات على المرء المبتلى بها يظهر بأدق صوره حين يروي تفاصيله من وقع في براثنه وعانى من ويلاته حتى وصل بإرادته إلى تركه والتخلص من شباكه القاتلة. كريم ناصر الدين كبارة ..مساعد رئيس فريق العمل في إحدى الدوائر أحد الشباب الذين مروا من خلال ذلك النفق المظلم يروي تجربته المؤلمة مع المخدرات لتكن عبرة للشباب الذي يفكرون في خوضها أو الذين ينوون تركها بعد أن وقعوا في براثنها.
يقول كبارة: إن تجربتي في تعاطي المخدرات ثم تركها أكبر دليل على أن الإنسان يستطيع الإقلاع عن هذه المادة السامة بكل سهولة إذا تسلح بسلاح الإرادة فهي خير علاج. وقد تعاطيت المخدرات لمدة 11 سنة، وهي عبارة عن نوعين من المخدرات النوع الأول هو ذلك الذي يجعل الإنسان يدمن عليه عضويا من خلال اكتفاء الإنسان بجرعتين أو أربع جرعات ومن ثم لا يستطيع الإقلاع عنه أو التوقف.
ويصبح المتعاطي لهذا النوع من المخدرات عندما يقترب موعد الجرعة كالوحش المفترس يريد أن يقتل ويسرق ويخرج عن السيطرة وهو ما يسمى «الهروين والكوكايين»، وهذا النوع من المخدرات يجعل الإنسان يقتل إذا لم يجد المبلغ المطلوب للجرعة، ويعتدي على الآخرين وتصبح حياته مهددة بالموت في أي لحظة ومن غير وعي.
أما النوع الثاني فهو «الحشيش» ويعتبر من الأنواع التي لا تجذب ولا يرغبها الناس كثيرا ولا تؤثر كما الهروين والكوكايين، ويقوم الإنسان هنا بممارسة حياته بشكل طبيعي وعلى أكمل وجه دون أي خطر وبعد فترة يصبح هذا النوع مملاً وليس له أي فائدة ويعتبره كما السيجارة يتعاطاه الإنسان لفترة قصيرة ويتركه ويمله.
والنوع الثالث وهو الأخطر وهو «العقاقير الطبية» وهذا النوع يعتبر مكملاً للحشيش لا يستطيع الشخص إلا تناولهما مع بعض ليصل إلى الهدف المرجو منه كما قال كريم. وأضاف كريم: منذ 11 عاما وفي بداية تعاطي للمخدرات كان والدي ووالدتي ينصحاني دائما ويحذراني من المخدرات لأنها خطر ويقصد الأهل هنا مادة (الهروين والكوكايين) لان هذا النوع الذي تكافحه وسائل الإعلام بشكل مكثف وتعرضه دائما للجمهور وتحذر منه، وليس كما يعتقد البعض الحشيش والعقاقير.
فترة الإقبال
وأشار كريم إلى أن الفترة التي ظهر فيها الحشيش والعقاقير هي تلك الفترة التي جذبت الشباب بطريقة شرهة وعندما يسأل الأهل الولد عن هذا العقار الذي يحمله في جيبه يضطر الأبناء للكذب على الأهل بمحاولة إخفاء حقيقة هذا العقار على انه للصداع، وبالتالي لا يعلم الأهل أن هذا العقار مخدرات لأن وسائل الإعلام كثفت حملاتها على النوعين الأشد خطورة «الكوكايين والهروين».
ورأى كريم أن هناك ثلاثة عناصر إذا اجتمعت يذهب الإنسان إلى تعاطي المخدرات وهي المنزل ولا أقصد الفقر والغنى أو التفكك الأسري، ولكن المقصود هو أساس تربية الأبناء وكيفية التعامل معهم وخصوصا في مرحلة الطفولة أو المراهقة كالضرب مثلا، وبالتالي تعامل الأهل مع الأبناء يصقل شخصيته إما محترم وإما قوي وإما جبان أو متمرد أو ضعيف أو سيئ السلوك.
والعنصر الثاني الأصدقاء فالشاب يخرج من منزله إلى الشارع ليجتمع مع كل الأصدقاء، وكل حسب شخصيته التي خرج منها من المنزل فهناك الجريء والقوي والضعيف والجبان. والعنصر الثالث هو أهم العناصر وهو «الملل» ويعتبر الأوكسجين وهو سبب رئيسي وخطير لتعاطي الكثير من الشباب للمخدرات، ووسائل الإعلام تقوم بإعطاء رسالتها للعالم وللشباب خاصة عن طريق نقل صورة الإدمان الفعلي على الهروين والكوكايين، في حين أن المخدرات في الأساس هي بداية خروج الشباب مع بعضهم البعض والفتيات لتعاطي العقاقير مصحوبة بالحشيش وهذا ما لا يستطيع الأهل كشفه.
وحالة الشباب في هذه المرحلة ليست كما تصورها وسائل الإعلام من تدهور الصحة والإدمان وضياع المستقبل واللجوء للجريمة والقتل، فان هذا النوع من الحشيش والعقاقير يعتبر الأخطر ولكن ليس كما الأول فتجد أن متعاطي العقاقير في الساعة الأولى يغيب عن الوعي وبعد ذلك يصبح بمثابة عقار مخدر له فقط وتجد من يتعاطى العقاقير يوهم نفسه بالسعادة والنشوة.
ويجد متعاطي العقار نفسه بوجهين، إذا كان جريئاً يوهم نفسه بأنه أكثر جرأة بعد تعاطيه وإذا كان جباناً يصبح قوياً وإذا كان مجرم يصبح أكثر إجراما، وبعد أن يصل إلى تلك الشخصية التي يتوهمها، يتخذ هذا الأسلوب في حياته على كل الصعد، فيصبح بذلك لا يستغني عن هذا العقار، وإذا أراد أن يقابل شخصا مهما أو إذا أراد عمل شيء مهم يتعامل مع الناس بطريقة طبيعية فلا يستطيع احد كشفه ، ويعطي الدور الذي يرغب فيه أن يكون، والدليل أنني أمضيت 11 عاما أتعاطى المخدرات ومع ذلك أكمل مراحل دراستي الجامعية ومشوار الحياة دون أن يكشفني أحد.
الاحتراف وخلط العقاقير
وأشار كريم إلى أن من المراحل المهمة لهذا النوع من العقاقير هي مرحلة الاحتراف وهي «خلط العقاقير المطلوبة للشخصية المطلوبة» فمن الصعب على أي إنسان كشف الشخص المتعاطي للعقاقير والحشيش فبالتالي يعتبر المتعاطي نفسه يملك الدنيا ومن عليها ويوهم بذلك مع انه يعتبر إنساناً تافها لا يسوى شيئاً مخدراً عن الحياة والتفكير السليم، وأهم ما يحس به المتعاطي للعقاقير هو «قتل الملل» وبدلا من أن يفكر الشخص بطريقة ايجابية لقتل الملل ومحترمة تراه يذهب بنفسه إلى اقصر الطرق لقتل هذا الملل وهو تعاطي العقاقير وهذا بداية لجانب آخر من التدهور، والجانب السلبي أيضاً أن المتعاطي للعقار يصبح فكره محدوداً جدا وتحصيله الدراسي متواضعاً.
وإن حياة التعاطي مؤثرة على الاجتهاد وتقتل الإبداع ومثالا على ذلك، حين تصل إلى سن العشرين عليك مواجهة الحياة وتكون مكتملاً بشكل تواجه فيه كل شيء وإذا طلب الأهل منك أن تنجح فسوف تنجح، وبعكس ذلك عندما تكون مخدراً طيلة هذه الفترة، ستكون بهذا خدرت شخصيتك بعقاقير وستنجح وستجتهد أيضا ولكن الطريقة هنا مختلفة فانك ستنمو وأنت متعاط ومخدر فستكون خدرت هذه السنوات ومرحلة النمو الطبيعي في ذاتك. وعندما ينوي المتعاطي التوقف سيتوقف ولكن سيجد نفسه بدون شخصية، وسيعود للبحث عن ذاته التي خدرها سنين طويلة ويبدأ العراك الطويل ليلحق بقطار شخصيته الأصلية التي فاتته.
مرحلة الإقلاع
وقال كريم عن الطريقة التي ترك فيها المخدرات والتي كانت في البداية عدم رغبة مني بتعاطيها مرة أخرى وبتلك الفترة قامت حملات تفتيشية من قبل الشرطة والرقابة على النوع الذي كنت أتعاطاه من العقاقير في الصيدليات مما ساعد في شحها، وعدم مقدرتي في الحصول عليها فوجدت نفسي متورطاً بشخصية مخدرة منذ سنين ومهملة ثقافيا وفكريا واجتماعيا واعتبرتها نهاية تعيسة غير قادرة على معرفة نفسها.
ومن أهم النقاط التي تساعد أيضا عندما يكبر بك العمر، فالذي يتعاطى المخدرات لا يستطيع التعاطي لوحده بدون أصدقاء، وبالتالي يجد نفسه أنه كان يعيش في وهم ويجد نفسه بلا أصدقاء وخلان ويتفاجأ بأنه شخص غير قادر على فهم نفسه وغير مسيطر على شخصيته.
وعن أهم العلامات التي تكشف المتعاطي أوضح كريم أهم صفات المتعاطي وهي انه يكون منعزلاً عن الأهل بالذات والأشخاص غير المتعاطين للمخدرات، وتجده مع الأصدقاء اغلب وقته وكثيرا، وعند دخوله المنزل لا يكلم أحداً ويتأخر عن المنزل حتى الفجر.
والعلامة الأخرى هي إقباله الشديد على الطعام وبشراهة غير طبيعية، أو أن يكون هزيل الجسد لا يأكل إلا قليلاً، وهناك أيضا أشخاص تكشفهم عن طريق الكلام وهذا النوع لا يكشفه إلا القريب أو الأهل فهم اخبر كيف يتكلم ولدهم منذ صغره إلى أن أصبح شابا. بالإضافة إلى انه لا يتقبل أي نصيحة من الأهل ويكون دائما عصبياً، وإذا تعاطى المخدر يقبل على الناس وإذا لم يأخذه يصبح منطوياً بشكل واضح.
والمتعاطي للمخدرات لا يحب أن يكون مع الناس صباحا فهو يعشق الليل أكثر من النهار ويحب العزلة عن الأهل ويحب الأصدقاء أكثر من الأهل، ومن أبرز علامات متعاطي العقاقير أيضا تناوله للحلويات والشاي بشراهة. وأخيراً أتمنى على الأهل ان يحتووا الأبناء بشكل صحيح منذ الصغر، مع ضرورة أن يحسنوا اختيار أصدقاء أبنائهم والسؤال عنهم دائماً، كما يجب عليهم خلق أجواء بديلة لقتل الملل لدى أبنائهم بالطريقة الصحيحة.
عبد الرحمن الوهيبي
