تقوم مؤسسات القطاع الخاص يومياً بإطلاق مبادرات مجتمعية مختلفة، وعادة ما تدرجها تحت مسمى أو مفهوم «المسؤولية الاجتماعية»، والمتابع لمبادرات المؤسسات سيجد أن هذا المصطلح على الرغم من حداثته بات يستعمل كثيرا خلال السنوات الأخيرة، ومن اجل تعميقه في المجتمع فقد قامت بعض الجهات بعقد مؤتمرات وندوات حوله آخرها كان الملتقى العربي الأول: المسؤولية الاجتماعية لمؤسسات الأعمال، الذي عقدته غرفة تجارة وصناعة الشارقة في مقرها، حيث استعرض فيه عدد من الخبراء العديد من تجارب الدول العربية في هذا المضمار، والتي بينت فيها مدى فائدة تطبيق هذا المفهوم في مؤسسات القطاعين الحكومي والخاص.
وعلى الرغم من نتائج الدراسة التي أعدتها جامعة هارفرد بهذا الخصوص والتي أكدت على نمو الشركات التي تطبق المسؤولية الاجتماعية زاد بنسبة أربعة أضعاف مقارنة مع الشركات التي لا تطبقها، إلا أن بعض الخبراء يؤكدون على ضعف أو سطحية الاهتمام به عربيا، وذلك لعدم الإلمام الكامل بفوائده ليس على المجتمع وحسب وإنما على القطاعين الخاص والحكومي.
مفهوم خدمة المجتمع
وهنا يبرز السؤال ماذا يعني مفهوم المسؤولية الاجتماعية، وما هي المجالات التي يمكن للشركات أن تنشط فيها لرفع مستوى مسؤوليتها الاجتماعية؟. تقول الدكتورة منى هندية، أستاذة الهندسة البيئية في الجامعة الأردنية الألمانية بالأردن، والتي كانت أحد المشاركين في الملتقى العربي الأول: المسؤولية الاجتماعية لمؤسسات الأعمال الذي عقد في الشارقة: إن مفهوم المسؤولية الاجتماعية «هو قيام الشركة أو المؤسسة بخدمة المجتمع الذي تعمل فيه من خلال المساهمة الفعلية سواء المادية أو العينية أو الإنسانية».
وتضيف: «على الرغم من قيام الشركات بتطبيق مفهوم المسؤولية الاجتماعية إلا انه ما زال سطحيا ومقتصرا على التبرعات فقط، في حين إنه يجب على المؤسسات أن تبدأ بمأسسة هذا المفهوم داخلها بحيث يرتقي ليضم أمور عدة مثل الصحة والسلامة، وحقوق الإنسان والموظفين، واحترام ومشاركة الأقليات، وتطوير برامج القدرات البشرية.
ورفع مستوى تطوع الموظفين في الأعمال الخيرية، وضمان جودة المنتج لرفع رضا المستهلك، والمحافظة على المحاسبة والشفافية والإفصاح وغيرها، وذلك لأن المسؤولية الاجتماعية تعتبر جزء من رد الجميل للوطن الذي أعطاها جميع موارده ومقدراته»، وتؤكد د. هندية بأن المفهوم الأوروبي للمسؤولية الاجتماعية تطور كثيرا خلال السنوات الماضية، حيث تمت مأسسته بداخل الشركات وتم اعتماده أكاديميا تمنح فيه الشهادات الجامعية.
كما أشارت إلى وجود عدد من الفئات في المجتمع لم تأخذ حقها في الرعاية بالكامل حتى الآن، مثل رعاية المطلقات والأرامل، والعاطلين عن العمل، وذوي الأمراض النفسية، ومساعدة الشباب على الزواج، ورعاية الأبحاث والدراسات العلمية والأكاديمية.
وعن المعوقات التي تواجه تعميق مفهوم المسؤولية الاجتماعية في المنطقة العربية، قالت د. هندية: «المسؤولية الاجتماعية تعتبر عملا متكاملا بين القطاعين الخاص والحكومي والإعلام حتى يتم تعميقها في المجتمع، وبتقديري إن أبرز المعوقات أمام تطبيقها يكمن في عدم وضوح المفهوم لدى الشركات والنسبة الأعلى منها تعرفه بالأعمال الخيرية والتبرعات، وكذلك نقص الوعي بدور القطاع الخاص الاجتماعي، بالإضافة إلى عدم وجود خطط واستراتيجيات واضحة لممارسة المسؤولية الاجتماعية، ونقص الحوافز المخصصة لأصحاب الأعمال لتحفيزهم على المساهمة في أداء المسؤولية الاجتماعية».
إقبال ومنافسة
ومن جانبه يرى أحمد عبد السلام كاظم، مدير أول إدارة الإستراتيجية والتميز المؤسسي في جمارك دبي والذي استعرض تجربة جمارك دبي في هذا المضمار، وجود إقبال من القطاع الخاص والحكومي على تفعيل دورهما الاجتماعي، ما أدى إلى خلق تنافس بينهما، رغم أن المبادرات الاجتماعية طالما كانت حكرا على القطاع الخاص، ودخول القطاع الحكومي لهذا المجال إنما يعني وجود حاجة لها في المجتمع.
أما عن الأسباب التي تدعو الشركات إلى تفعيل دورها الاجتماعي فيقول كاظم: «أولها رد الجميل للوطن والمجتمع والأرض التي تقوم عليها الشركة أو المؤسسة، وثانيها الفائدة الاقتصادية التي تعود على الشركة والمجتمع، لأن العمل هنا يعتبر دائرة اقتصادية متكاملة، فضلا عن أن ذلك يحسن من صورة الشركة أمام المجتمع ويرفع من مصداقيتها ويضفي عليها هالة أخلاقية واجتماعية».
ويتابع:«يمكننا القول بأن مفهوم المسؤولية الاجتماعية في المنطقة العربية موجود بقدم الديانات لأنه يتحدث عن العطاء، وهو ما يتميز به الوطن العربي عموما، ولكن يمكن اعتباره جديدا بمنطقة الحديث، لأنه لا يتوقف عند حدود الزكاة والصدقات بل يتسع ليصبح إدارة وموظفين وعملاء ومجتمع وإعلام ومؤسسة، وبلا شك إننا نحتاج إلى توعية والى استراتيجيات واضحة ومؤتمرات وندوات لإثراء الفكر الموجود».
وفي هذا الإطار يشير أحمد كاظم إلى تجربة جمارك دبي التي تعتبر من المؤسسات النشيطة اجتماعيا، حيث قامت في الفترة الأخيرة بإطلاق العديد من المبادرات الخيرية مثل مبادرة موانئ الصيادين التي تهدف إلى إحياء مهنة الصيد، والمحافظة على الموروث الاجتماعي الإماراتي والنهوض بالقطاع السياحي في الإمارة، وكذلك مبادرة الحضانة الحكومية التي تم افتتاحها في الربع الأول من العام الجاري، ويقول: «بأن المجتمع العربي من أكثر المجتمعات في العالم يدعم هذه التوجهات لوجودها في قيمه وعاداته وتعاليمه الدينية».
دراسة الإمارات للبيئة
في المقابل، فقد أشارت نتائج دراسة استبيانية لنشاطات المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات في الدولة، أجرتها مجموعة الإمارات للبيئة عام 2007، واستهدفت ثلاثين عضواً في شبكة المجموعة للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، إلى أن 14 من الشركات شاركت في الاستثمارات المجتمعية كوسيلة لممارسة مسؤولياتها المجتمعية، وأن 11 من الشركات عبرت بأن المسؤولية الاجتماعية يمكن ممارستها بنجاح من خلال الارتقاء بالأداء البيئي، وأظهرت 11 منها صفات القيادة والرؤية.
بينما أظهر 7 منها سياسات وممارسات ساعدت على زيادة ممارسات المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، كما بينت الدراسة أن 10 من المشاركين يطبقون بفاعلية سياسات رعاية الموظفين، وقال 48 من المشاركين أن لدى شركاتهم مستوى فهم مرتفع للمسوؤلية الاجتماعية للمؤسسات، بينما يعتقد 20 فقط أن فهمهم للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات ضعيف أو ضعيف جداً.
غسان خروب
