شهدت البيئة البحرية في الساحل الشرقي للدولة خلال السنوات الماضية حالات من التلوث البحري تفاوتت درجاتها واختلفت أسبابها، إلا أن كارثة المد الأحمر لا تزال كبيرة أمام سواحل الساحل الشرقي وتستأثر باهتمام الباحثين والسلطات.
ونتيجة الظاهرة أزيل ألف طن من الأسماك النافقة بخلاف ما لم يلقه البحر إلى الساحل، هذا إلى جانب انبعاث الروائح الكريهة بشكل مستمر، كما سيطرت الأزمة التي عادت إلى السطح منذ أكثر من شهر عقب استمرارها مدة ثمانية شهور للآن على اهتمام الشارع الإماراتي.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل هناك مشروع جديد لإعادة تأهيل بحر المنطقة مع تفعيل تنفيذ الإجراءات الفعلية التي تعمل عليها الجهات المعنية وفي مقدمتها وزارة البيئة والمياه، والتي من شأنها العمل على مواجهة كارثة بحجم المد الأحمر وتردي البيئة البحرية و الحد من معدلات التلوث الحاصل؟
طبعاً ليست هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها بيئتنا البحرية لهذه الظاهرة، وحتما لن تكون الأخيرة، ما دام أمام تعامل حكومي وشعبي ربما لا يعطي هذه الكارثة حجمها من الاهتمام والتفاعل، مثلما تتفاعل لجان المجلس الوطني وعناصرها أمام التلويح باستجواب وزير البيئة والمياه فيها، فالظاهرة سبق بالفعل أن ضربت بحر المنطقة ومع ذلك طوي الملف كالعادة بتلاشي الظاهرة وليس بمعرفتها.
أيا كان المتهم بظاهرة المد الأحمر ونفوق الأسماك، فإن خبراء وباحثين دوليين في مجال البحار يبدون مخاوف كبيرة من حدوث ظاهرة موت جماعي للأسماك والشعاب المرجانية في مياه منطقة الخليج بحلول عام 2008. وفي هذا الصدد أشار أستاذ البيئة البحرية البريطانية تشارلز سيبر إلى أن أجهزة الرصد لاحظت ارتفاعا متزايدا في درجة الحرارة في مياه الخليج العربي، وفي شكل متنامٍ، وقال: «إن ذلك يشير إلى إمكانية تجدد ظاهرة موت الأحياء البحرية في مياه الخليج العربي، وهي الظاهرة التي حدثت في شكل كبير عام 1998، وكانت نتيجتها موت نحو 90% من الشعاب المرجانية».
الدكتور سلطان أحمد عبدالله المؤذن عضو المجلس الوطني والمهتم بقضايا البيئة قال: ألخص القول بأن الحقيقة المؤلمة والمرة هي أننا أمام كارثتين، كارثة بيئية وأخرى تتعلق بإجراءات تعامل وزارة البيئة والمياه مع حجم الكارثة. فلا يوجد هناك إجراءات فعلية نفذت على أرض الواقع، ولم تحدد للآن الأسباب الحقيقية وراء المد الأحمر وكذلك نتائج العينات التي أخذت منه، فيطرح تساؤل: هل هناك أسباب لا يراد الإفصاح عنها؟.
فالعجز الفاضح في التعامل مع هذه الكارثة مؤشر خطير يمكن أن يكشف أمامنا مدى عجز إدارة وزارة البيئة والمياه في التعامل مع الأحداث والمشكلات، ويزيد من خطورة هذا العجز عدم لعب الجهات المحلية والحكومية دورا فعليا في هذه الأزمة، فلم يطرأ أي تغير إطلاقا حيالها.
لذا لابد من مواجهة جميع التعديات البيئة وخصوصا وأن الوزارة ربما تنتهج سياسة تنموية ربما بأسلوب غير مناسب، لا يتناسب إطلاقا مع المعايير والمقاييس البيئية العالمية، الأمر الذي يؤكد ضرورة التفعيل باتخاذ الإجراءات الجادة والعاجلة في معالجة هذه الكارثة من خلال تكثيف الجهود في دراسة أسباب ظاهرة المد الأحمر وإيجاد الحلول اللازمة لضمان عدم استيطانها مطولا في المستقبل مثلما حدث في الفترة الماضية، إلى جانب دعم ومساندة فرق عمل المشكلة من قبل الجهات الحكومية والنفع العام لمعالجة الوضع الراهن والاستمرار في عملية الرصد والمراقبة.
وكذلك تنظيف وإعادة تأهيل بحر المنطقة إلى ما كان عليه سابقا، فضلا عن حماية البيئة البحرية وضمان استمرارية الموارد الطبيعية بصورة مستدامة فيها. إضافة إلى وضع القوانين والتشريعات والضوابط الصارمة للتحكم في المخلفات الناتجة عن المصانع أو الإنشاءات الأخرى كون السبب الرئيسي لهذه الكارثة ذ من وجهة نظري - هي المشاريع السياحية والإنشائية لما تستهلكه من أطنان الصخور والرمال بطريقة غير فنية في الساحل الشرقي.
وأيضا ضمان توافر جهاز حكومي لمراقبة السفن التي تدخل في المياه الإقليمية وعدم التخلص من حمولتها من مخلفات صلبة أو سائلة. وذلك لضمان عدم تعرض البيئات الطبيعية سواء البحرية والبرية إلى التدهور والاندثار، وكل ذلك يتضمن مسؤولية مشتركة يقوم بها جميع أفراد المجتمع والمؤسسات الحكومية، والتي للأسف الشديد شاركت جميعها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تدهور البيئات الطبيعية وعلى الأخص البيئة البحرية.
وطالب المؤذن في السياق نفسه بأهمية تطبيق التقييم البيئي للمشاريع قبل تنفيذها لتحقيق التنمية المستدامة، وقال: يخطئ مَن يعتقد بأن حماية البيئة بشكل عام والتنوع الأحيائي بشكل خاص يتعارض مع تنفيذ المشاريع التنموية من شق للطرق، وبناء للمنشآت الحيوية. وأضاف أن منطقة الساحل الشرقي بحاجة ماسة للعديد من المشاريع التنموية ولاسيما وأنها تفتقر للعديد منها حتى وقتنا هذا.
ولكن في الوقت نفسه نحن بحاجة للحفاظ على المظاهر والمعالم الطبيعية بكل ما تحتويه من أعداد هائلة من الكائنات الحيّة، ذات القيم البيئية والاقتصادية والطبية والسياحية، مشيرا إلى أهمية تطبيق آلية التقييم البيئي للمشاريع قبل تنفيذها لأننا إذا استطعنا أن نلبي احتياجاتنا التنموية في الوقت الحاضر، بحيث لا تؤثر سلبيًّا على احتياجات الأجيال القادمة عندها نكون قد حققنا مفهوم التنمية المستدامة، لافتا في الإطار ذاته إلى أهمية التركيز على توفير أساسيات البنية التحتية واحتياجات المواطنين قبل بدء العمل على تنفيذ المشاريع السياحية التي تلبي قد لا تلبي الاحتياجات الضرورة إلا لفئات معينة.
ناهد مبارك
