خلال الأسابيع الماضية، أثير جدل كبير حول وضع التعليم في دولة الإمارات بما في ذلك انخفاض أداء الطلاب في الاختبارات، وفي اختبار اتجاهات دراسات الرياضيات والعلوم وأسباب عدم وجود معلمين إماراتيين من الذكور.
ولا تبدو هذه الصورة للتعليم في دولة الإمارات مشجعة، ولا سيما بالنسبة لأولياء أمور التلاميذ في المدارس الحكومية. ولكن ما هي الأسباب التي أدت لهذه الحالة؟ فعادةً عندما ينخفض مستوى الأداء في أحد القطاعات، نبدأ في التفكير في عجز الموارد أو نقص التمويل الذي قد يعوق الحكومة عن إصلاح التعليم بالأسلوب الذي تراه لائقاً.
ولكن في حالة دولة الإمارات، والكثير من دول الخليج بشكل عام، فنقص الموارد لم يكن هو السبب وراء الوضع الذي آل إليه التعليم.
لقد بذلت كل من الإمارات وقطر جهوداً كبيرة من أجل تحسين جودة التعليم العام. فاتبعت كلتاهما منهج الابتكار على شكل برامج مثل مدارس الغد والمدارس النموذجية والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
فاستقدمت وزارة التعليم بدولة الإمارات ومجلس أبوظبي للتعليم وهيئة المعرفة والتنمية البشرية بدبي عدداً من المستشارين الأجانب لتدريب المعلمين والعمل مع نظرائهم من المواطنين في وزارة التعليم بالدولة.
ووضع هؤلاء المستشارين الأجانب مجموعة من المؤشرات الأساسية لتقييم الأداء وهي طريقة قياسية لاختبارات الرياضيات واللغة الانجليزية ويعملون حالياً على مراجعة المناهج بشكل شامل للابتعاد عن التعليم الذي يعتمد على حفظ المعلومات عن ظهر قلب.
وفي قطر تمت الاستعانة بمؤسسة «راند» لإصلاح المدارس القطرية كما أدخلت إصلاحات مماثلة تتضمن إبرام شراكات بين القطاع العام والخاص وتأسيس عدد من المدارس النموذجية وتدريب المعلمين وتطوير المناهج. وبالرغم من تلك الاستثمارات الموسعة في قطاع التعليم، لم يطرأ أي تحسن على مستوى التحصيل العلمي أو جودة التعليم وبقى الوضع كما هو.
ومن ضمن أدنى خمس دول في اختبار اتجاهات دراسات الرياضيات والعلوم من حيث مستوى أداء طلاب الصف الثامن في مادة الرياضيات لعام 2007 كانت هناك ثلاث دول من الخليج: قطر والسعودية والكويت. وفي برنامج منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لتقييم الطلاب الأجانب حيث كانت قطر هي الدولة الخليجية الوحيدة الممثلة، حلت قطر ضمن أدنى خمس دول أداء مرة أخرى.
السؤال الذي يجدر طرحه هو ما هي أسباب فشل جهود الإصلاح الحالية؟ تشير الدراسات حول مستوى الطلاب إلى عدد من العوامل التي تتضمن المستوى التعليمي للآباء والأمهات والوضع الاجتماعي والاقتصادي والقيادة وجودة المعلمين والموارد والمبادئ الأساسية التي تشكل شخصية المدرسة. وتندرج تحت كل من هذه الفئات العريضة مجموعة من العوامل الفرعية التي يصعب توضيحها.
فمثلاً أثبتت الدراسات المكاسب الحقيقية التي يجنيها الطلاب تتحقق عند وجود معلم جيد ومؤهل. ومع ذلك فما زالت العناصر التي تضمن كفاءة المعلم وجودة تأهيله غير معروفة. وبالإضافة إلى ذلك، يواجه صناع سياسات التعليم في الخليج مشكلة أساسية بسبب الاعتماد على بحوث تم إجراء معظمها في دول خارج منطقة الخليج وخارج المنطقة العربية ككل. وبسبب عدم السماح للباحثين بطرق هذا المجال فقد تحول قطاع التعليم في الخليج إلى أحد أقل القطاعات دراسة على مستوى العالم.
ويُصِّعب انعدام البحث حول أحوال المدارس والتعليم بشكل عام في الخليج من التفكير في موضوع التعليم وتخطيط الإصلاح التعليمي وتنفيذه. وكنتيجة لذلك، نجد نظم التعليم المحلية تقفز من إصلاح إلى آخر اعتماداً على تجارب دول غير ملائمة للظروف المحلية. ولذلك فليس مفاجئاً إذاً أن تفشل العديد من هذه الإصلاحات في تحقيق الوعود التي قطعتها.
وهكذا ينخفض مستوى تحصيل الطلاب في بعض الأحيان، وتتوالى شكاوى أولياء الأمور ويصاب المعلمون المحليون والنظار بالإحباط، ثم يتم التخلي عن مشروع الإصلاح، ويخفت نجم الأشخاص المرتبطين به. ويتضاعف فشل الإصلاح عندما يتم إغفال تقييمه فلا تستفيد الجهة المنفذة من التجربة وتفقد دليلاً قاطعاً على الأشياء التي يجب تفاديها وعدم تكرارها في محاولات الإصلاح التالية.
وفي أثناء دراستي للدكتوراه التي قمت فيها بمقارنة نوعية التعليم الثانوي الحكومي للبنين والبنات في دولة الإمارات، وجدت أن أحد الأسباب الرئيسية لانخفاض مستوى تحصيل البنين هو انخفاض مستوى المعلمين الرجال.
ومع ذلك أخفقت القرارات السياسية المحلية التي تعتمد على أفضل الممارسات في الخارج في معالجة هذه القضية، بل زادت الوضع سوءاً في بعض الأحيان، ومنها على سبيل المثال، برامج منح درجة الماجستير التي تستهدف المواطنين والمواطنات من المعلمين، رغم أنها خطوة جديرة بالثناء، بسبب تخصيص مزيد من التدريب للمعلمات مما كان له فائدة طيبة على مستوى الطالبات وليس البنين.
ولذلك لم تعالج الإصلاحات التي تستهدف تطوير المهارات المهنية للمواطنين من المعلمين المشكلة الرئيسية التي تسببت في انخفاض مستوى تحصيل البنين في مدارس دولة الإمارات والخليج بصفة عامة، وهو نقص عدد المواطنين من المعلمين والاعتماد على معلمين من المغتربين غير المؤهلين بشكل كاف وبأجور متدنية.
ودون السياسات التي تعتمد على البحوث المعدة محلياً لن تستطيع دولتا الإمارات وقطر، وغيرهما من دول الخليج، تلبية احتياجاتها التعليمية الخاصة بها إذ تقدم البحوث المحلية رؤية تظهر المشكلات والفجوات التي لا تستطيع تحديدها الدراسات الكبرى التي تقام على مستوى الدولة مثل اختبار اتجاهات دراسات الرياضيات والعلوم.
وتعتبر مؤسسة البحث القومي ومؤسسة الإمارات من أهم المؤسسات التي تتحرك في الاتجاه الصحيح للمساعدة في إنتاج مجموعة من البحوث حول سياسة التعليم في الدولة.
ولكن ما زال هناك الكثير الذي يجب إنجازه لمواجهة التحديات التعليمية للمنطقة، فالوصول إلى حلول مستدامة يتطلب قرارات سياسية تعتمد على الواقع المحلي، وليس على وجهات النظر الدولية. وهي تتطلب أيضاً فتح المدارس أمام الباحثين وتوفير البيانات التي قد يحتاجونها لمساعدة الجميع على فهم عملية التعليم ومن ثم تضافر الجهود لتحقيق التقدم في مجال التعليم.
د. ناتاشا ريدج ـ زميل باحث بكلية ديار للأداء الحكومي