في الحلقات الأربع الماضية تناولنا التأثير الجزئي، للأزمة المالية العالمية على الفرد والمجتمع الخليجي، والمواقف التي تعرضت لها الأسر الخليجية التي تعيش على دخل ثابت، وأردنا من خلال ذلك أن نبحث عن أسباب هذه العوامل، وتأثير الأزمة المالية على الأفراد خاصة ممن يعيشون في ظروف مختلفة، مثل المتزوج بأكثر من امرأة، ولديه مسؤوليات أسرية موزعة على أكثر من بيت، ثم رأي الاقتصاديين ورجال الدين الذين اعتبروا أن مثل هؤلاء الأفراد هم بمأمن من آثار الأزمة، باعتبارها أزمة وقتية.
ويمكن للفرد أن يكيف نفسه مع الوضع الجديد، حتى تعود الأمور إلى أوضاعها السابقة، واتضح أن الكثير من المتزوجين بأكثر من امرأة قد رتبوا أوضاعهم على الكيفية الجديدة لحياتهم، كما أطمأن البعض إلى وضعه المالي والاجتماعي، بسبب جملة التطمينات التي أطلقها المسؤولون في الدولة، بالحفاظ على الأوضاع السابقة، ومعالجة الأزمة المالية بحلول عملية وإجراءات صائبة. وهو ما يؤكده الواقع اليوم، فالبنوك رتبت أوضاعها المالية وأعادت خدماتها إلى نفس الوتيرة السابقة، وان ظلت متحفظة بعض الشيء في قضايا القروض وتمويل المركبات، إلا أن وكالات المركبات فتحت أبوابها على مصراعيها، وقدمت التسهيلات بعروض مغرية، كما أن وزارة الاقتصاد قامت عبر إدارة حماية المستهلك بمتابعة الأسعار والحد من ارتفاعها، بل إنها أسهمت في تخفيضها من خلال فرق التفتيش التي نشرتها في جميع إمارات الدولة.
واقع جديد... كما تناولنا قضية أخرى مرتبطة بالأزمة المالية العالمية، وهي قضية إيجارات العقارات والوحدات السكنية في الدولة، حيث اضطر بعض الملاك ومكاتب العقارات، إلى القبول بالواقع الجديد، والعمل على تخفيض نسب معينة في الوحدات السكنية، مع بقاء البعض منهم متمسكا بالإيجارات السابقة، ظنا منه أن الساكن سوف يقبل بالأمر الواقع، وأنه لن يضطر للبحث له عن سكن بإيجار أقل، وصحيح أيضا أن الارتفاع يختلف من إمارة لأخرى، ويأتي الارتفاع في هذه الإمارة أو تلك بسبب نقص المعروض وزيادة الطلب، لكن في ظل الأوضاع الجديدة، والخوف الذي بدأ يقلق ملاك البنايات السكنية ومكاتب العقارات، ومطالبة البنوك بالأقساط المترتبة عليهم. يمكن القول اليوم إن مسألة الحصول على شقة أصبح أمرا سهلا وممكنا، فالإيجارات انخفضت بنسب معقولة، وملاك البنايات قاموا بأنفسهم بالبحث عن المستأجر الجديد، بعد تمسك مكاتب العقارات بتحصيل نسبتهم كما هي، حيث أقل مبلغ يأخذه مكتب العقار من المستأجر لا يقل عن 2000 ألف درهم وهو مبلغ كبير قياسا لدخل الفرد.
وعندما سلطنا الضوء على أوضاع العقارات خاصة في إماراتي الشارقة وعجمان، تلمسنا كيف كانت الأوضاع سابقا حين كانت معظم البنايات فارغة من سكانها، بسبب الإيجارات المرتفعة التي كان يطالب بها مالك البناية أو وكيله مكتب العقار، ولكن ما أن شعر الجميع بهزة الأزمة المالية العالمية، حتى هرعوا إلى تعليق اليافطات العريضة التي تحمل كلمة (للإيجار) وليس عجبا أن نرى اليوم مالك البناية يضع كرسيا وطاولة على مدخل بنايته، وأن يقوم بنفسه باستقبال المستأجرين، مشاهد لم تكن بالأمس ممكنة، ولم يخطر على بال أحد أن الوضع سوف ينقلب هكذا، وها هي إمارة ابو ظبي تصدر قانونا جديدا معدلا، يحدد أقصى زيادة سنوية للإيجارات بـ 5 فقط، وربما نشهد تخفيضات أكثر في المستقبل.
الثقافة القانوينة
أما الموضوع الثالث الذي تناولناه، فكان عن الثقافة القانونية، وأهمية أن يلم الفرد بالقوانين ومعرفة لوائحها، حتى لا يكون مغفلا فالقانون هنا لا يحميه، وقلنا إن الثقافة بشكل عام والثقافة القضائية والقانونية بشكل خاص، تلعب دورا مهماً في حياة الناس، والثقافة القضائية هي أساسا المعلومات التي تشمل المبادئ والأحكام والقوانين، والتي ينبغي على المواطن والمقيم والزائر معرفتها وإدراكها للحصول على حقوقه ومعرفة واجباته.
والظاهرة الغريبة أن غالبية الناس لا تأبه لذلك ولا تولي الثقافة القانونية أبسط الاهتمام، وأحيانا نجد أن الإنسان يقع في خطأ بسيط ويجرم عليه، بسبب جهله للأحكام والقوانين، حتى عندما برزت الأزمة المالية العالمية على السطح، كانت الغالبية من الجمهور، لا تعرف عن هذه الأزمة شيئاً، ولا هي مدركة لمخاطرها الاقتصادية والاجتماعية، وذلك بسبب الجهل بالقانون وعدم المعرفة بالقواعد المالية والاقتصادية.
وفي هذا المجال ضربت المحامية عائشة الطنيجي التي تحدثنا معها، مثلا بالذين اندفعوا نحو الأسهم والبورصة ووضعوا كل أموالهم فيها، دون التحسب لأية مخاطر قد تنشأ في سوق البورصات أو الأزمات المالية، كذلك في الحياة الاجتماعية نجد أن المواطن والمقيم، قد يواجه الكثير من الحالات التي تتسبب في إلحاق الضرر به ، ونظرا لضعف ما لدى المواطن من ثقافة قانونية، نجده يتعامل مع كثير من هذه الحالات السلبية، بلا مبالاة ولا وعي قانوني الأمر الذي يفقده حقه الثابت، وهناك من يقع في مشكلة ويستمر فيها معتمدا على جهله، حتى تزداد القضية صعوبة وتعقيدا، فيضطر للبحث عن محامٍ له ليخرجه من الورطة التي أوقع نفسه فيها، ويأتي المحامي ولكن بعد فوات الأوان.
اليوم ننبه إلى أهمية الوعي بالقانون، ونؤكد على الثقافة القانونية، الذي يجب أن تشارك فيه عدة جهات حكومية ومجتمعية، وأن تكون هناك محاضرات عن الثقافة القانونية، ونشر القوانين مع اللوائح المنظمة، لتكون بيد الجمهور، وحتى يكون ملما ومثقفا قانونيا.
العمالة المسرّحة
القضية الرابعة كانت حول تأثير الأزمة المالية العالمية، على أوضاع الشركات العقارية الكبرى، وما نتج عنها من مشاكل عدة، أهمها وأبرزها مشكلة (العمالة المفنشة) الأمر الذي استدعى تدخل الجهات الحكومية للحد من توسعها وتفاقمها، وبسبب الفصل القسري لبعض العمالة، تسبب ذلك في تعثر البنوك في الحصول على حقوقها المالية، من قروض مالية وتمويلية كانت قد أقرضتها العمال والموظفين، وطلبت هذه البنوك من شركات التأمين التدخل، لرفع الرسوم على القروض الشخصية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان، بنسب تتراوح بين 10 إلى 15%.
حتى تضمن حقها من المستحقات المالية، بينما أظهرت شركات التأمين تشدداً، حيال تجديد اتفاقيات التأمين على القروض الشخصية المبرمة مع البنوك، وعندما وضعنا مقترح البنوك أمام بعض مدراء شركات التأمين العاملة في الدولة، كان رد غالبيتها أنها لا تدرس مثل هذا المقترح، لما له من آثار سلبية وعكسية، فالعمالة المسرحة ليست كلها من بلد واحد، بل هي من بلدان كثيرة، كما أن الأزمة لا بد أن تزول، وهناك جهود كبيرة من قبل المسؤولين في معالجة الفصل القسري، حيث تتوارد التطمينات من المسؤولين، حول الأزمة المالية وأن مدى ضررها ليس كبيرا.
وهو ما أكده أكثر من مرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفظه الله، والتي كان آخرها في اللقاء الإعلامي عبر البريد الالكتروني معه حين قال: «الإمارات أجابت بنجاح عن الأسئلة الصعبة في امتحان الأزمة المالية العالمية، ولن يطول الوقت الذي يتحول فيه التركيز الإعلامي على السلبيات، لصالح دبي والإمارات».
وبشأن ما أثارته بعض الأقلام الحاقدة ضد الدولة وإمارة دبي قال سموه: «في أشهر ما بعد الأزمة المالية العالمية، بعض ما كتب لم يكن نقداً أو إشارةً لسلبيات كان «قصفاً إعلامياً» يستهدف دولة الإمارات كنموذج لدولة اتحادية عربية ويستهدف دبي بنموذجها التنموي».
جميل محسن


