في مناخ اتسم بالحرية والتفاؤل التقى نخبة من كبار العلماء والمفكرين المعاصرين العرب والأجانب ليناقشوا التحديات التي تواجه الهوية العربية الإسلامية، حيث اختتمت كليات التقنية العليا بالشارقة فعاليات موزاييك 2009 «إماراتي وافتخر» بمؤتمر خصصته لمناقشة الدور المنوط بالمؤسسات والأفراد في الذود عن الهوية الوطنية وحمل شعار «حوار الهوية الوطنية.. من أنا؟ من أنت؟».

وكان للمفكرين الضيوف في هذا الإطار جلسات عمل مطولة سلطوا الضوء من خلالها على الواقع الذي بدا للوهلة الأولى شديد السواد إلا أن هناك إيماناً وثقة بأن الأمة العربية قادرة على صون هويتها من الاندثار حتى وإن بدا للبعض ذوبان الأجيال الحالية في دوامة العولمة، فنرى الدكتور عبد الخالق عبد الله أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات يتحدث بلهجة الواثق قائلا: المواطن الذي يعيش حياة حرة كريمة وآمنة في دولة الإمارات أو في أي مكان آخر، ولا يخاف من السلطات والسجون لن يشعر بقلق الهوية، فوطن يعطي الحرية والكرامة لا قلق فيه، مؤكدا انه يجب على الفرد الذي يشعر بعدم الحرية أن يطالب بحريته وأن ينزع الخوف من داخله مضيفا أن «الهوية تبدأ من مطالبة الفرد بحقوقه».

وقال أمام حشد كبير من الحضور إن قلقه كبير على هذا الجيل الذي يعرف القليل عن عاداته وتقاليده وتراثه، وأنهم أخفقوا في إعدادهم، ومن المهم أن يبقى لصاحب القرار أن يأخذ قراره بقوة في هذا الجانب.

الهوية وعصر التنوع

وبعنوان: «الهوية الوطنية في عصر التنوع» تناول الدكتور برهان غليون المدير الحالي لمركز دراسات الشرق المعاصر في باريس وأستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون الجديدة تعريف الهوية الوطنية على أنها انتماء والانتماء عبارة عن مجموعة من القيم والمبادئ، ومجموعة من الالتزامات التي يجب على الفرد الالتزام بها لأنه بدون الالتزام تصبح الهوية فارغة المعنى، كما ذكر بأن الهوية ليست جامدة وثابتة فهي تتغير بتغير ظروف الحياة، ومع تغير هذه الظروف تتغير القيم، وأكد أن من يبقى على قيمه ليس لديه هوية، فالهوية في رأيه مرتبطة بالتفاعل مع الظروف المحيطة ومع الآخرين، كما أنها علاقة اجتماعية وليس للفرد هوية واحدة بل له انتماءات متعددة كونه ينتمي لجماعات متعددة.

الصراع في الهوية

ولتجنب الصراع في موضوع الهوية قال الدكتور محمد أركون الاستاذ الفخري في جامعة السوربون وعضو في اللجنة المشرفة على مؤسسة جاك شيراك أن الصراعات التي تجري في جميع المجتمعات المعاصرة كالأوروبية والأمريكية مرتبطة بالصراعات الإيديولوجية وليس بالبحث في الموروث الثقافي والفكري والديني الذي تكونت عليه الهوية والذي يجب أن يؤخذ في عين الاعتبار، وأكد أنه يجب علينا أن ننتبه لما يجب قوله حتى لا نخلط بين الصراعات الإيديولوجية في كل مجتمع وخاصة بين المسلمين والأوروبيين، كما أكد أن المجتمعات الأوروبية مبنية على هويات مغلقة كسائر الهويات، وأننا لم نتهيأ لمواجهة هذه الصراعات في البحث عن القيم.

الدكتور برهان غليون تحدث عن الهويات المغلقة والمنفتحة وأن نجاح الجماعة العربية في التماشي مع التغيرات واستيعاب الهوية الوطنية بمفرداتها ومعانيها تكون بذلك قد نجحت في الحصول على هوية منفتحة، أما إن بقيت مرتبطة بتراث الماضي وغير قادرة على التفاعل مع التغيرات الجديدة تصبح بذلك هوية مغلقة.

وفي مداخلة للدكتور عبد الخالق عبد الله أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات ذكر بأن الهوية الوطنية بالنسبة له كالنهر، ودوما ما يكون للنهر منبع واحد، وهذا المنبع هو الوطن، ولكن للنهر روافد كثيرة، ولذا فإن كانت الأرضية راسخة وقوية وإن كانت قدم الشخص ثابتة في أرض الوطنية فلن يؤثر عليه الحداثة أو العولمة.

وأجاب على التساؤلات التي طرحها الطلاب والطالبات الإماراتيون والمتعلقة بدورهم في حماية الهوية الوطنية وتحدث عن أحدى الطالبات التي اتصلت به وطلبت منه المشاركة في ندوة حول دولة الإمارات تهدف إلى تعريف طلبة جامعتها بدولة الإمارات بشكل أكبر، وقال إن هذا الاتصال أثر فيه وأكد له انه يوجد جيل بحاجة إلى معرفة المزيد عن دولته وجيل صريح يبحث عن العلم والمعرفة.

وطالب جميع الإماراتيين التأكيد على معرفة أربعة أمور وهي أن عمر الإماراتي الوطني هو 37 عاما وهو عمر الاتحاد وهذا ما يميز جميع المواطنين الإماراتيين الذين يتميزون أيضا بأنهم أصحاب دولة الإمارات التي يبلغ مساحتها 83 ألف كم متر مربع لا يريدون غيرها ولن يسمحوا لأحد بالاعتداء عليها.

وقال إن لكل الإماراتيين أب واحد وهو الشيخ زايد رحمه الله مؤسس الدولة، وعلى جميع الإماراتيين أن يقفوا احتراما لعلم واحد وهو العلم الإماراتي، مشيرا إلى أن الإنسان الإماراتي يتميز بأنه إنسان معتدل ومتسامح ومنفتح على العالم ومهذب أينما يذهب وهو إنسان مسالم، والعالم يرانا من خلال هذه الصورة.

الدكتور طارق رمضان أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة اوكسفورد وهو من كبار المناظرين المدافعين عن الإسلام في الغرب تناول محور الهوية الإسلامية وتحديات الحداثة، أكد أن على عاتق المسلمين مواجهة التحديات التي يفرضها الواقع والتي تحاول الربط بين الإسلام والأعمال الإرهابية و أن على كل شخص العمل منفردا من اجل نقل صورة الإسلام الحقيقية وقدرة هذا الدين على التعامل مع الحداثة وأنه دين عالمي فريد يقوم على توفير الحقوق والواجبات المتساوية للجميع سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.

الدكتور سعيد حارب الأستاذ الجامعي ناقش مفهوم الهوية الوطنية باعتبار أنها ما تحمله النفس في داخلها، مشيرا إلى أهمية اللغة العربية باعتبارها جزءاً أساسياً من هويتنا وأن تعلم لغات أخرى لا يعني إلغائها أو إزاحتها، مشددا على أن اللغات الأخرى تغدو مشكلة على الهوية إذا كانت بديلا عن اللغة الأم.

وذكر أن احد أطراف الهوية الوطنية دائرة الدين مؤكدا أهمية احترام الأديان الأخرى وانه يجب أن نتعلم الإسلام الحقيقي واحترام الآخر.

الفنان والمصور إسحاق يزبك ناقش دور الثقافة والفن في تعزيز الهوية الوطنية والحفاظ عليها واظهر كيف تقوم الدولة بتكريس الثقافة العربية في المباني التي تقوم بتنفيذها وأنها من خلال الفن المعماري الذي تنتهجه تسهم في تعزيز الهوية الوطنية واستقطاب السياح الراغبين في التعرف على التراث العربي.

محمد النومان: هدفنا بناء مجتمع قادر على مواجهة تحديات العولمة ومتغيراتها

تساهم هيئة الإنماء التجاري والسياحي في إمارة الشارقة بشكل بارز في رعاية مؤتمر الهوية الوطنية إيماناً منها بأهمية الهوية في تعزيز دور المواطن لبناء مجتمع واعٍ مثقف في ظل العولمة والتغيرات العالمية، كما تأتي مساهمة الهيئة من منطلق حرصها على تعميق مفهوم الهوية الوطنية بجميع جوانبها الثقافية والاجتماعية والعلمية.

وأكد محمد علي النومان، مدير عام هيئة الإنماء التجاري والسياحي بالشارقة، على أهمية رعاية الهيئة للمؤتمر الذي يأتي استجابة وترجمة لدعوة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، باعتبار العام 2008 عاماً للهويّة الوطنيّة حيث دُعِيَ مواطنو دولة الإمارات العربيّة المتّحدة إلى الانخراط في مناقشة ما يعنيه كون المرء إماراتيّاً، وتأكيدا على دور كليات التقنية العليا بالشارقة في المشاركة في تعزيز وبناء ركائز الهوية الوطنية والحفاظ عليها بمشاركة الطلبة في الاحتفاء بتعزيز هويتهم الوطنية.

وأضاف: نحن في هذا العام نواصل جهودنا بتوجيهات سامية من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة للمساهمة في إنجاح فعاليات حوار الهوية الوطنية عبر رعاية فعاليات هذا الحدث الذي يجسد الوعي والمعرفة بماهية الهوية الوطنية والإستراتيجية القائمة عليها من قناعة وممارسة وهدف للوصول إلى مستقبل يقينا من الصعوبات.

تأكيد

الانفتاح الواثق لن يؤثر على هويتنا لوطنية

أكد الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي رئيس مجمع كليات التقنية العليا في كلمته الافتتاحية لمؤتمر الهوية الوطنية أن الانفتاح الواثق على العالم لن يؤثر على هويتها الوطنية وأن المؤتمر سوف يسهم في مواجهة التحديات التي تحدق بمجتمعنا الذي يحفل بالمتغيرات، وأنه يسهم في حشد الطاقات لتحقيق الأهداف والطموحات الوطنية لتعميق الولاء للدولة، مشيرا إلى أنهم في دولة الإمارات يتفهمون طبيعة التحديات التي تواجههم ويثقون تماما في حكمة القادة وقدرة الأبناء على مواجهة التحديات من خلال التعامل الواعي مع الآخر.

وأوضح أن الظروف الإقليمية والعالمية غالبا ما تمثل تحديا مهما للهوية الوطنية، والتقدم المذهل في التقنيات ووسائل الاتصال وحركة الأفراد سوف تؤثر جميعا على الهوية الوطنية، لذا يجب العمل على الاستفادة من الحداثة بشكل لا يؤثر على هويتنا الوطنية.مؤكدا ضرورة الاستفادة من العولمة بصورتها الايجابية، التي تشجع على التكامل بين الشعوب ونقل الخبرات وتطوير التعليم والانتقال بالثقافة الوطنية إلى محيط العولمة، والاستفادة من التطور العالمي بشكل واثق يسهم في الحفاظ على هويتنا الوطنية.

أنشطة

مؤتمر الهوية الوطنية يتوج الفعاليات

يأتي مؤتمر الهوية الوطنية تتويجا لمجموعة أنشطة لفعالية «موزاييك تعرف على العالم» الذي أعلن عنه هذا العام تحت شعار «إماراتي وأفتخر»، والتي انطلقت فعالياته في أكتوبر الماضي وحتى تاريخ المؤتمر، وهي فعالية سنوية تقيمها كليات التقنية العليا في الشارقة بهدف خلق روح الفضول وحب الاستطلاع لدى الطلبة وغرس حب التعرف إلى العالم الذي يعيشون فيه.

ويؤمل من خلال معايشتهم للحدث بكافة مراحله التحضيرية أن يثمنوا أهمية الماضي وثرائه، والتعرف على الفرص الرائعة التي تكمن في المستقبل والقيام بالدور المنوط بهم في الوقت الحاضر، كما يهدف إلى تشجيع الطلبة على التفكير الناقد عن طريق البحث والتأمل في العالم المحيط بهم.

وفي كل عام يحمل الموزاييك شعار يختلف عن الآخر، يقوم على مجموعة أنشطة صفية ولا صفية على امتداد العام الدراسي تشمل موضوعات تدخل في المنهاج الدراسي، وتفعل بأكثر من نشاط محفز للفضول والاكتشاف مثل المناظرات بين الطلبة، مشاريع بحوث، مسابقات في التصوير والمواقع الإلكترونية، رحلات داخلية أو خارجية، نلملمها حتى تتكون الصورة الأخيرة بفعالية ختامية تتوج هذا الحدث الذي أصبح مميزا ويستقبل ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف زائر.

نورا الأمير