لم يكن يدرك الشاعر الفلسطيني توفيق زياد عندما قال يوماً في إحدى قصائده «وأعطي نصف عمري للذي يجعل طفلاً باكياً يضحك» أنه سيحرك الكثيرين من أبناء شعبه ليجتهدوا في رسم الابتسامة على وجوه الأطفال عبر ما أقاموه من مهرجانات داعمة للطفولة في كل مكان، كما لم يدرك حينها أن عبارته سوف ترفرف في السماء لتصل إلى دبي، لتحرك موظفي فندق كراون بلازا ذ شارع الشيخ زايد الذين يفوق عددهم الـ 700 موظف ليجتهدوا في عملهم من أجل رسم الابتسامة على ملامح أطفال مركز دبي للرعاية الخاصة الذين استقبلوا ما جنته أيدي موظفي الفندق بكل رحابة صدر وفرح.
وقد جاء اجتهاد العاملين في كراون بلازا تحت شعار «نحو حياة أفضل» التي أفضت نتائجها إلى جمع مبلغ 225 ألف درهم خصصت لشراء باص لصالح مركز دبي للرعاية الخاصة. «البيان» تابعت رحلة تسليم الباص من بوابة الفندق وصولا إلى مركز دبي للرعاية الخاصة، والتقت المدير العام لفندق كراون بلازا ـ شارع الشيخ زايد لوران ريجو الذي قال حول هذه المبادرة: «بدأنا بحملة «نحو حياة أفضل» في نهاية العام الماضي، بعد زيارتنا لمركز دبي للرعاية الخاصة التي اطلعنا فيها على طبيعة الخدمات التي يقدمها للأطفال، واستفسرنا حينها من مديرة المركز عن سبل دعم المركز.
فقدمت لنا قائمة باحتياجات المركز أعلاها كان الباص، وبعد انتهاء الزيارة تناقشت وأعضاء مجلس الإدارة حول عدد من الاقتراحات التي تمكننا من جمع المال لشراء الباص، وكنت على ثقة بأننا قادرون على الوصول إلى هدفنا هذا طالما استطعنا الوصول إلى القمة في عملنا، وبدأنا بإعداد الكثير من النشاطات التي تسمح لموظفي الفندق ونزلائه بالاشتراك في الحملة، بدأناها من المطاعم، وخصصنا يوم الخميس لارتداء قمصان تحمل شعار الحملة.
وطلبنا من كل فرد التبرع بمبلغ مالي في كل مرة يرتدي فيها القميص أقله درهمين، كما قمنا بخصم مبلغ خمسة دراهم عن كل وجبة قدمت في شهر رمضان الماضي لصالح الحملة، وعملنا على توزيع صناديق التبرع في كل مكان في الفندق حتى يتمكن النزلاء من مشاركتنا حملتنا، إلى جانب ذلك قام كل الموظفين أفرادا وجماعات بإعداد بعض أنواع الحلويات والطعام وبيعها إلى بقية أفراد الطاقم مقابل درهمين للقطعة، وريع هذا البيع كان يذهب إلى الحملة.
وأقمنا أيضا حفلة للموظفين لجمع التبرعات عن طريق بيع التذاكر، بالإضافة إلى أننا قمنا ببيع قمصان تحمل شعار الحملة والفندق، وبالفعل استطعنا أن نجمع 225 ألف درهم خلال فترة أربعة أشهر، وقمنا بشراء الباص وتصميمه وفق احتياجات أبناء المركز».
ولكن لماذا هذه المبادرة؟ يجيب ريجو: «المبادرة نابعة من قناعتنا بضرورة تقديم المساعدة للمجتمع المحيط بنا، وهي تنطلق من مسؤوليتنا الاجتماعية تجاه المجتمع عموما، إلى جانب إننا نعتبرها كنوع من رد الجميل لدبي التي أعطتنا الفرصة لنمارس أعمالنا بكل حرية ورفع مستوى النمو لدينا.
فنحن نعتبر من أقدم الفنادق التي فتحت أبوابها على شارع الشيخ زايد، ولذلك فنحن نحاول من خلال هذه المبادرات التطلع نحو المجتمع ومشاركته همومه وقضاياه، وقد سبق لنا المشاركة في حملة «نظفوا الإمارات»، وحملات التبرع بالدم التي ننظمها كل ثلاثة أشهر، فضلا عن اعتمادنا سنويا لبرامج معينة تهدف إلى دعم المؤسسات الخيرية في دبي، وحاليا نحن بصدد إصدار كتاب طبخ، وسنعمل على بيعه في كافة منافذ البيع المتاحة في الفندق، وسيخصص ريعه للتبرعات الخيرية».
ويشير ريجو إلى أن موظفو الفندق استقبلوا المبادرة بكل صدر رحب، وعملوا بجد واجتهاد للوصول إلى هدفهم، وأضاف : « لقد شعرت من خلال لقاءاتي المتكررة معهم إنهم أحبوا الفكرة ويعملون لأجلها، واعتقد أن هذا هو سبب نجاحنا في الوصول إلى هدفنا».
مبادرة جيدة
أما عن رأي مركز دبي للرعاية الخاصة في هذه المبادرة، فقالت مديرة المركز الدكتورة مهشيد صالحي: «لقد كانت مبادرة جيدة، وأتمنى أن تحذو بقية الشركات والمؤسسات حذو فندق كراون بلازا، بأن تسعى جاهده للبحث عن المراكز التي تحتاج إلى الدعم المادي والمعنوي وتعمل على مساعدتها لتستطيع المواصلة في تقديم خدماتها، واعتقد أن مثل هذه المبادرات تنبع من المسؤولية الاجتماعية الملقاة على عاتق الشركات والمؤسسات تجاه المجتمع.
وهناك العديد من المؤسسات التي بدأت تعتمد مثل هذه المبادرات ضمن خططها السنوية كنوع من تقديم المساعدة للمجتمع المحيط بها». وتابعت د. مشهيد: «نحن ننتظر منذ مدة طويلة مثل هذه المبادرة، خاصة وان باصات المركز الخمسة لم تعد تكفي لجمع الطلبة في ظل ما تشهده الطرقات من أزمة مرورية، إلى جانب ما تحتاجه من صيانة دائمة.
فضلا عن ارتفاع عدد الأطفال المسجلين في المركز والموزعين على مختلف مناطق دبي وعجمان والشارقة، حيث وصل عددهم إلى 135 طفلاً، وبلا شك إننا سعداء جدا بمبادرة كراون بلازا هذه فقد حلت لنا معضلة طالما استعصى علينا حلها، خاصة وان ميزانية المركز تعتمد على التبرعات والمساهمات الخيرية التي تقدمها المؤسسات والشركات وبعض أفراد المجتمع».
لمحة تاريخية
وتعود نشأة مركز دبي للرعاية الخاصة إلى أوائل الثمانينات، حيث تم استئجار فيلا صغيرة في منطقة جميرا بإمكانيات فردية ضعيفة لخمسة أطفال معاقين، وسميت حينها بمدرسة الأبطال الخمسة، وبعد ذلك تبنى أعضاء مجلس الإدارة فكرة توسيع نشاط المركز ليستوعب عددا أكبر من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وفي يناير 1984 انتقلت المدرسة إلى فيلتين أكبر بتبرع كريم من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، ليصبح اسمها «مدرسة السيف»، وفي عام 1990 قام سمو الشيخ اللواء أحمد بن راشد آل مكتوم بالتبرع بقطعة أرض كبيرة لصالح المركز، وأمر ببنائها لتصبح فيما بعد مركز دبي للرعاية الخاصة، والذي صمم ليستوعب 200 طالب كمرحلة أولى.
ويتركز نشاط المركز حول تطوير المهارات الاجتماعية والنفسية للأطفال، ويتم ذلك من خلال الفصول واللقاءات الجماعية اليومية والرحلات الخارجية، والإعداد المهني ومهارات الاعتماد على النفس وتطوير المهارات المعرفية، والدراسات الأكاديمية وتطوير مستوى النطق والمهارات اللغوية من خلال الموسيقى والمسرح والتمثيل واستعمال صالات الرياضة والسباحة وركوب الخيل والتزلج على الجليد والرحلات المدرسية.
غسان خروب
