قال القدامى من الآباء والأجداد: من عرف العقاب نحى بنفسه عن مواطن الجرم وارتكاب الجريمة، فالقانون ينظم حياة الناس وهو من أعظم ما تستقيم به الحياة في إقامة العدل وحفظ الحقوق، وللثقافة بشكل عام والثقافة القضائية والقانونية بشكل خاص دور مهم في احترام القانون، فالثقافة القضائية هي أساس المعلومات التي تشمل المبادئ والأحكام والقوانين، والتي ينبغي على المواطن والمقيم والزائر معرفتها وإدراكها للحصول على حقوقه ومعرفة واجباته، والظاهرة الغريبة أن غالبية الناس لا تأبه لذلك ولا تولي الثقافة القانونية أبسط الاهتمام، وأحيانا نجد أن الإنسان يقع في خطأ بسيط ويجرم عليه، بسبب جهله للأحكام والقوانين.

والأزمة المالية العالمية التي أصابت كثيرا من الناس، ووضعت البعض في خانة المحظور، كانت أيضا بسبب جهل المرء بالقانون وعدم معرفته بالقواعد المالية والاقتصادية، وفي هذا المجال ضربت المحامية عائشة الطنيجي مثلا بالذين اندفعوا نحو الأسهم والبورصة ووضعوا كل أموالهم فيها، دون التحسب لمثل هذه الأزمة، واليوم يعانون منها، وفي الحياة الاجتماعية يواجه المواطن والمقيم، الكثير من الحالات التي تتسبب في إلحاق الضرر به أولا، وفي التقليل من قيمته ثانيا.

ونظرا لضعف ما لدى المواطن من ثقافة قانونية، نجده يتعامل مع كثير من هذه الحالات السلبية بلا مبالاة وبلا وعي قانوني الأمر الذي يفقده حقه الثابت، ومن جانب آخر فإن هذا التعامل السلبي يفاقم هذه اللامبالاة فتصبح وكأنها أمر طبيعي، وهناك من يقع في مشكلة ويمشي ويستمر فيها معتمدا على جهله، حتى تزداد القضية صعوبة وتعقيدا، فيضطر للبحث عن محامي ليخرجه من الورطة، ولكن يأتي للمحامي بعد فوات الأوان.

دور الإعلام

المحامية عائشة الطنيجي تقول عن الثقافة القانونية: العلم بالشئ أفضل من الجهل به، ومن قرأ قانونا أو استشار محاميا أو استشاريا، تدارك جوانب الخطأ الذي يقع فيها البعض، إذا ما اعتمد على نفسه محاولا إثبات قدرته على المرافعة في قضية ما، فدور المحامي هنا مهم جدا وفي معظم البلدان يلجأ الناس إلى المحامي حتى لا يقعوا في المحظور، وأنا هنا لا أقول ان كل المحامين ماهرون في عملهم، فهناك أيضا من المحامين من لديهم جهل قانوني، والبعض ربما اعتمد على النظرية الأكاديمية، ولديه تجربة تطبيقية بسيطة، وهو ما يدفع لتوريط الشخص بدلا من تبرئته، وللثقافة القضائية، محور هذا التحقيق، ودور في تمكين المواطن والمقيم من معرفة حق التقاضي وجهات التقاضي وأنواع المحاكم.

وهذا كله يؤدي إلى الاختصار في الجهد والمال والقدرة على الوصول إلى الحق بأسهل الطرق وأيسرها، كما تساهم الثقافة القضائية في فهم الناس للاحكام والقرارات القضائية، فالثقافة القضائية تساهم في تحصين المجتمع ضد من يريد التشكيك في فهم القضاة واجتهادهم في أحكامهم، وأعتقد أن على وسائل الأعلام وخاصة الصحافة لعب دورا كبيرا في مجال نشر الثقافة القانونية والقضائية، ورفع الوعي لدى المواطن والمقيم، وبشكل آخر فان الثقافة القانونية تعني أيضا أن يعرف الإنسان ما له من حقوق وما عليه من واجبات، وتعني كذلك فهم ووعي حدود المسؤولية بين الفرد والمجتمع، وما يترتب على العلاقات والتعامل بين الناس من ارتباطات حقوقية سواء كانت مادية أو معنوية.

وتضيف رئيسة لجنة المحامين بجمعية المحامين الإماراتيين: أما عن الأزمة المالية العالمية، فقد ظهرت مصطلحات عديدة سيطرت على التحاليل مما زاد من إشاعة الهلع بين الناس، والغريب أنّ الكثيرين من هؤلاء، سواء كانوا في الدولة أو في البلدان العربية، لا يتوانون عن التأكيد بأنّهم لا يعرفون التفاصيل وأسباب الأزمة وكيف حدثت، والبعض وقع كما قلت في المحظور، عندما أنطلق يجمع أمواله وأموال أسرته ويتفقها في شراء الأسهم، دون أن يفكر كيف ينظم حياته الاجتماعية والاقتصادية، ومثل هولاء نراهم اليوم منغمسون في مشاكل كثيرة، بسبب جهلهم بالقانون والأزمة المالية وأيضا دخولهم سوق الأسهم والبورصات من دون وعي أو إدراك بمخاطرها.

الجهل القانوني

ويقول المستشار أحمد صلاح: في أكثر من مرّة قلت بأن غالبية الناس لا تعرف حقوقها، لهذا يقع البعض منهم في مآزق بسبب هذا الجهل، ناهيك عن عدم معرفة الواجبات، والحاجة اليوم أصبحت مُلحّة لنشر ثقافة الحقوق والواجبات حتى يعرف الجميع ما له وما عليه، ولكن هناك حالات فردية تمتلك الثقافة القانونية، ولديها فكرة بالتعامل القانوني في القضايا التي تواجهها، ونجدها في مأمن من الوقوع في الخطأ، وعموما فان على وسائل الإعلام، أن تلعب دورا أساسيا وجوهريا في مسألة الثقافة القانونية، وأن تسهم في توعية المجتمع من خلال نشر الإرشادات القانونية والكيفية التي يتبعها الفرد لتجنب الوقوع في المحظور.

فعلى سبيل المثال كانت هناك توعية إعلامية في مجال المرور، عندما بدأ تطبيق النقاط السوداء، ورأينا كيف كنا نقرأ الإرشادات والفقرات القانونية التي توضح مكامن وقوع الخطأ وتجنبها، وهي التي لعبت دورا تثقيفيا وتوعويا لدى غالبية السائقين، واليوم على وسائل الإعلام أن تدلي بدلوها في مجال الثقافة القانونية، وأعتقد أن كثير من الاستشاريين والمحامين سوف يسهمون في هذا المجال.

القانون والمغفل

ويقول فارس العباد: سمعت كثيرا عبارة القانون لا يحمي المغفلين، والحال أن هذه المقولة، تستخدم في غير الاغراض التي وضعت من اجلها، فهي فكرة قانونية فلسفية حسب الأصل، مفادها أن الحماية القانونية للمصالح الخاصة، ليست مطلقة بل نسبية، فالحماية القانونية إنما تبدأ قانونا من مستوى معين من سلوك مفترض للأشخاص لا تنزل دونه.

ومن ثم يقع على عاتق الفرد واجب اتخاذ قدر من الحيطة والحذر في تصرفاته حتى تصبح الحماية القانونية له ممكنة، إذن القانون لا يحمي المغفلين متى أهملوا الجانب القانوني، ولكن القانون لا شك هو بجانب من يعرف خفاياه وبنوده، التي تعطي لصاحب الحق الوصول إلى العدالة الصحيحة، وأرجو أن تكون مسألة الثقافة القانونية من صميم أولويات الفرد، لان ذلك سوف يجنبه الوقوع في الأخطاء، وبالتالي يبعد عنه الشبهة أو اتهامه لا قدر الله بالمغفل الذي لا يحميه القانون.

جميل محسن