المكان مزروع بالأمل.. ممتد يغزل نسيجاً من نور، غارقُ في هدوء تخترقه بعض الأحاديث التي لا تخلو من حميمية اللقاء اليومي.. وفوالة صباحية يتقاسمن فيها رغيف علاقة من نوع آخر.. هي مزيج من الصداقة والأخوة والوفاء للمكان، الذي كان على موعد مع صدفة هيأت لها فاطمة ومزجت ألوانها وأتقنت تفصيل مقاساتها..

خلف الباب الخشبي تستوطن حكايات من عمل دؤوب.. يولد بسواعد وطنية.. تتماهى ببعضها وتخلص في حب العمل.. في «مشغل الخلية» حكاية البداية تنهض في محيط الأصدقاء والمعارف والجيران بحسب صاحبته فاطمة المزروعي التي سخرت خبراتها وقدراتها للبدء في مشروع غير مطروق واتجهت نحو الطرق الأكثر صعوبة.. وتتكئ تفاصيل البدايات على حب التعلم والرغبة في إتقان مبادئ الخياطة والتطريز.. «لأن الإماراتية لا ينقصها شيء.. بل كانت ومازالت رائدة في مهن عديدة.. نحن نستطيع تحقيق الاكتفاء فيما يتعلق بتفصيل الملابس وخياطتها.. كل ما نحتاجه هو التعلم.. والرغبة في تحقيق المزيد من التطور».. هكذا لخصت فاطمة البدايات. فقد كانت بسيطة في محيط الأصدقاء الذي لم يتجاوز سبع سيدات بدأن بجهود فردية في تعلم الخياطة وتعليمها لبعضهن. بينما اليوم في ظل تهافت العديد من النحلات على مشغل الخلية لتعلم مبادئ الخياطة تسعى العضوات المؤسسات لتطوير مهاراتهن ويتولين تدريس المنتسبات والإشراف على أفرع المشغل في عدد من المدارس بدبي.

المشروع يحظى بدعم مركز سمو الأميرة هيا بنت الحسين الثقافي الإسلامي بأم سقيم. ويهدف بصورة رئيسية للارتقاء بمهارات المرأة الإماراتية وتمكينها في أحد أهم المجالات التي تسيطر عليها العمالة الأجنبية.

حول البدايات تروي فاطمة «شهد المنزل مرحلة التأسيس. وكانت الفكرة نابعة من ضرورة الاستغناء عن محلات الخياطة. وتشجيع السواعد الوطنية للبدء في تحقيق هذا الهدف. واجتمعت وعدد من الراغبات في تعلم فنون الخياطة من اللاتي تعرفت إليهن عن طريق الأهل والأصدقاء وقمنا بتوفير أجهزة الخياطة وكافة الأدوات، وشرعنا في تعلم الأساسيات والبدء في التجريب حتى تمكنا من إتقان الجلابية ثم انطلقنا نحو المزيد من الابتكار كالحقائب والعباءات والتنورة وغيرها».

واستعانت فاطمة بالخبرات الأخرى وعكفت برفقة عضوات مرحلة التأسيس على تطوير مهاراتهن إما عن طريق الالتحاق بدورات أو الاستعانة بأصحاب محلات الخياطة.

وتعتبر فاطمة المشروع عملاً جماعياً. ساهمت جميع العضوات في نجاحه بخبراتهن. وحرصهن على التعلم والاستفادة. فأول الدورات التي بدأت في المشغل حملت عنوان «علمي وتعلمي» لترغيب المزيد من العضوات في الالتحاق بالمشغل وبث روح العمل الجماعي توطيداً للعلاقات بين العضوات والمتدربات.

وتضيف فاطمة «أؤمن أن العمل المخلص بالسواعد الإماراتية يعزز صورة المرأة. لأنها كانت ومازالت قادرة على المساهمة في تنمية المجتمع. ومهارات الخياطة تشكل مجالاً مهماً يمكن للمرأة تحقيق ذاتها من خلاله والانطلاق نحو آفاق أرحب لأنها الأجدر به. كونها تمتلك كل مقومات النجاح بدءاً بالمهارة وانتهاءً بالتنفيذ المتقن وصولاً لماركة إماراتية».

لم تكتف فاطمة بتلك المهارات. فقد كانت ترمي إلى ما هو أبعد من ذلك. وهو ما تلمسته عند الشروع في التوسع واستقبال عدد أكبر من الراغبات في الالتحاق بالمشغل.

«نحن نهدف إلى تنمية روح العمل الجماعي، وتعزيز مبدأ المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن تساهم فيها المرأة أياً كان موقعها. إلى جانب التركيز على ثقافة التطوع وأهميتها في تأهيل المرأة الإماراتية وتمكينها في مختلف المجالات. للوصول نحو منتج وطني بامتياز يتمتع بمواصفات عالية الجودة».

لكل تجربة مراحل تبدأ بالولادة ثم النمو والنضج. قفز مشغل الخلية لمرحلة أوسع تمثلت في انتقاله لمركز سمو الأميرة هيا بنت الحسين الثقافي الإسلامي بأم سقيم ما أكسبه المزيد من الثبات والنجاح؛ حيث زاد عدد المنتسبات وأصبح هناك مقر دائم تجتمع فيه المعلمات والمتعلمات.

بعد الانتقال إلى المقر الدائم بدأ المشغل في طرح دورات بشكل يومي للراغبات في تعلم فنون الخياطة.

وشهدت تلك المرحلة إضافة مميزة للمشروع. تمثلت في دليل قامت بوضعه العضوات سمي «منهج الخلية» والذي ضم أساسيات الخياطة والخطوات الواجب اتباعها للحصول على منتج متقن. والمنهج يُعد عملاً جماعياً تبنت الإشراف عليه وإعداده فاطمة المزروعي إلى جانب عدد من العضوات المؤسسات. حيث كان عملاً وطني الأركان.

إلى جانب ذلك. سعت مؤسسات مشغل الخلية للتوسع في نشر الوعي بأهمية تعلم مبادئ الخياطة عبر تواجدهن في عدد من المدارس الخاصة والحكومية بدبي وفتح باب الالتحاق بالدورات بشكل أسبوعي بالاتفاق مع إدارات المدارس. حيث لاقت تلك الخطوة تجاوباً من الطالبات ورغبة في التعلم.

جولة في المشغل كفيلة في بث روح المنافسة والتعلم لدى الزائرات. ففي مختلف الأركان تصطف «المانيكانات» التي تستعرض مختلف التصاميم التي عملت على تنفيذها العضوات بأنفسهن.

للعضوات والمتدربات رأي لم ترغب فاطمة المزروعي في إغفاله. ففي رأيها أنهن جزء أساسي في قصة نجاح مشغل الخلية. حيث يتطلب إنتاج العسل مسلسلاً من العمل الجاد نجحت نحلات المشغل في اتقانه، سيما وأنه مكّن المتدربات مهنياً ويسعى لتمكينهن مادياً عبر التوسع في المشروع.

جميلة الصغير - ربة منزل- اعتبرت مشغل الخلية منقذاً من وقت فراغ قاتل تقضيه بالجلوس في المنزل.

ودافعاً للمزيد من العمل والإنجاز والإنتاج. وبإعجاب تقول «عمل المشغل بقيادة فاطمة على تنمية مواهبنا. شخصياً لم أكن أتوقع الوصول لهذه المرحلة المتقدمة من اتقان الخياطة. لقد قطعت شوطاً في التعلم وأصبحت أكثر قدرة على الإنتاج».

تعتبر جميلة أن المكان أحاطها بخصوصية وبعث فيها روح الاعتماد على النفس والمثابرة. فهو كما تقول رياضة للعقل والروح. كما أن الحياة الاجتماعية الجميلة أبرز ما تميز المشغل. فالعضوات في تحابهن وترابطهن كأفراد الأسرة الواحدة.

أما فوزية علي (أم عيسى) فأكدت أن المشغل كان نقطة تحول في حياتها الروتينية التي لم تخرج فيها عن لعب دور ربة المنزل. أما اليوم فهي عضوه فاعلة ونحلة منتجة أعلنت الحرب على التكاسل وأقبلت على المزيد من النشاط. «أشعر بالراحة لمجرد دخولي للمشغل. وبالرغم من الظروف العائلية فإني أحرص على الحضور بشكل دائم. فهنا الوقت له قيمة أستغلها في التعلم والإنتاج».

مريم النعيمي عضوة حرصت على أن تعطي صورة عن سير العمل في المشغل. وتأثيره عليها شخصياً فهي تستعد اليوم للمشاركة في معرض لمنتجات المشغل لها فيه نصيب كبير. «بالتحاقي بمشغل الخلية بدأت من الصفر. تعلمت العديد من مهارات الخياطة واليوم قطعت شوطاً كبيراً في هذه المرحلة واستطعت إثبات ذاتي مهنياً.

كما كنت على تواصل دائمٍ مع العضوات والمتدربات. ما ساهم في تطوير شخصيتي». وتؤكد مريم أنه عن طريق التحاقها بالمشغل تمكنت من تطوير أفكارها وترك بصمة خاصة فيما يتعلق بالتصاميم التي تعتبر المرأة قادرة على ابتكارها بتميز يفوق الرجال. فبرأيها المرأة الإماراتية تمتلك الذوق ولا ينقصها سوى تعلم مهارات التنفيذ لسد الحاجة والاكتفاء.

بعد مرحلة التأسيس استشعرت فاطمة المزروعي الحاجة إلى منهج تدريبي عملي تعتمد عليه المتدربات ويعد مرجعاً لهن عند التعلم والتطبيق. كما تسعى لإصدار جزء آخر يشمل مهارات أخرى انطلاقاً من أهمية تطوير المهارات والمضي نحو مراحل متقدمة من الخياطة.

المشغل ماضٍ في التطوير. والأيام المقبلة ستشهد أول معرض لمنتجات العضوات في مشغل الخلية. فاطمة تراهن على المشروع وتعتبره إنجازاً تحقق بفضل تكاتف الجهود.

ولم تغفل التوجه بالشكر لكل من ساهم في تحقيق الحلم فلائحة العضوات من الفتيات والأمهات اللاتي ساهمن بإخلاص في إنجاح العمل تبقى محفورة في ذاكرة المشغل. هنا مشروع وطني يستحق الإشادة والوقوف إعجاباً بأنامل وطنية تعزز مفهوم العمل التطوعي والجماعي وتسعى لمنتج إماراتي عالي الجودة عبر التعلم والتمكين.

مرجع للمهارات الأساسية

ويبدأ منهاج الخياطة في مشغل الخلية في عرض أساسيات التعلم بدءاً بالتعرف على أجزاء ماكينة الخياطة. واقتناء الأدوات الضرورية مثل شريط القياس وورق الكربون ومقص التنظيف وأداة الكوي والخيوط والدبابيس والمسطرة والعجلة والطبشورة وإبرة تفكيك الخياطة، كما يعرض المنهاج دليل العمل مع ماكينة الخياطة وصيانتها بشكل دوري بحيث يجب قراءة التعليمات الخاصة بكل ماكينة وكيفية المحافظة عليها.

إلى جانب ذلك فهو يتضمن شرحاً لجدول القماش والإبر بحيث يتم مراعاة مقاسات الإبر عند استخدامها لكل نوع من القماش، وينصح بتجربة الإبرة والخيوط على قطعة القماش لمعرفة مقاس الإبرة المناسب لخياطته. فالأقمشة الناعمة مثل الكريب والأورغانزا والجورجيت تُخاط بإبر رقم 11 و12 أما المتوسطة مثل الكتان والقطن فيتم خياطتها بإبرة يتراوح مقاسها بين 14 و16. تبقى الأقمشة السميكة مثل الجينز والصوف فتستخدم لها إبر بمقاس 16.

ويلخص المنهاج المشكلات العامة التي تعترض سير العمل على الماكينة وطرق تلافيها. وبعض الملاحظات المهمة. كما لم يغفل المنهاج عرض الطريقة الصحيحة لأخذ المقاسات موضحة بالصور والرسومات، وضرورة أخذ القياسات دون إرخاء شريط القياس أو شده بحيث يتم بعدها إسقاط القياسات على الباترون ورسمها بالشكل الصحيح.

يتبع ذلك الجزء المخصص لعملية الخياطة. بدءاً بطريقة عمل الحقيبة تليها التنورة. ثم يتدرج المنهاج في عرض مهارات أكثر صعوبة مثل طريقة عمل الجلابية والبنجابي.

وتفصيلات أخرى مثل جلابية الفراشة وفساتين الأطفال. والعباءة ثم فستان السهرة. ولم تغفل المرأة دور الرجل فوضعت ضمن أولوياتها خياطة جلابية منزلية للأب أو الابن. ويعرض المنهاج طرق التعلم برسومات توضيحية وصور ملونة.

أمل الفلاسي