استطاعت عجمان أن تستشرف المستقبل بخطى ثابتة ومدروسة من خلال انطلاقها بقوة في الربع الأول من العام الحالي في كافة المجالات الثقافية والعمرانية والاقتصادية والاجتماعية، فمن أهل الفن والثقافة والشعر والموسيقى إلى التخطيط والعمران والتنمية المستدامة والمدن الخضراء، فاحتضنت ولمدة 3 أيام في جامعة عجمان خبراء عالميين في مختلف التخصصات.

وذلك من أجل مناقشة المخطط الاستراتيجي للتنمية العمرانية لمدينة عجمان 2030، وطرح الخطط والأفكار والحلول المستقبلية والاستفادة من التطبيقات العملية لهؤلاء الخبراء في كيفية بناء المدن الخضراء وتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة ولتسليط الضوء على قضايا التنمية الحضرية والمشاكل التي تجابه المدن العصرية في ظل التزايد السكاني المستمر وذلك برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان وسمو الشيخ عمار بن حميد النعيمي ولي عهد عجمان والشيخ راشد بن حميد النعيمي رئيس دائرة البلدية والتخطيط في عجمان.

وأشاد المشاركون في المؤتمر بالنهضة العمرانية التي انتظمت كافة أنحاء الإمارة، لافتين إلى أن عجمان أصبحت من أهم المناطق الجاذبة في منطقة الخليج لما تتميز به من موقع استراتيجي جاذب للاستثمارات الخارجية،ولسعيها في تحقيق التنمية المستدامة ولمساهمتها في دعم الاقتصاد الوطني في الدولة من خلال المشاريع العمرانية التي ستنفذ في السنوات المقبلة.

مؤكدين في الوقت ذاته على ضرورة أهمية استخدام التكنولوجيا الحديثة والتقنيات المتطورة كواقع يفرض نفسه في الحياة في عصرنا الحاضر مع ضرورة الحفاظ على الجوانب الإنسانية والقيم والعادات والتقاليد في تصاميم المدن التي سيعاد تشكيلها، وعلى أهمية البحث العلمي والدراسات مطالبين بتطوير البرامج الدراسة والتعليمية لتكون مواكبة لمتطلبات الحياة المعاصرة مع التأكيد على أبراز ما يفرزه العصر الحالي من إنجازات علمية وتقنية متطورة للمشاريع الجديدة.

مرحلة جديدة

يقول الدكتور صباح مشتت أستاذ العمارة بجامعة ولفرهامتون البريطانية إن مدينة عجمان في بداية مرحلة جديدة من النمو المتسارع وأنها تحظى باهتمام عالمي بعد تميزها بالنهضة العمرانية التي بدأتها منذ سنوات عدة، لذلك كان من الملائم مناقشة الأبعاد والتأثيرات البيئية الناتجة عن التحضر المتسارع خلال هذا المؤتمر الذي ناقش التحديات والفرص التي تواجه استدامة التنمية في ظل تأثيرات التلوث البيئي واستهلاك الطاقة وعجز الموارد التي أدت إلى ظاهرة التغير المناخي حيث باتت تهدد مستقبل التنمية في أنحاء كثيرة من العالم وتشغل بال العديد من الجهات على المستوى المحلى والدولي وذلك في محاولة لتجنب الأضرار البيئية للتنمية المستقبلية.

وأكد أن الاستدامة كهدف يتحقق من خلال توفير عدة متطلبات اجتماعية واقتصادية وبيئية، وأن زيادة عدد السكان في المدن الحالية وتعقيد أنماط المعيشة أدى إلى استنزاف الكثير من الطاقات الطبيعية ومصادر الطاقة الناضبة ما أثر على قيمة وتكلفة الحياة في مددنا، لذلك لا بد من إعادة تشكيل المدن لتلاءم الإنسان بمعدل طاقة متوسط لتقليل الكلفة الاقتصادية وتوفير بيئة نظيفة غير ملوثة، وهذا لن يتأتى إلا من خلال تطبيق منهج الاستدامة.

وأضاف أن مؤتمر عجمان للتخطيط ليس مجرد لقاء نخبوي يلتقي فيه بعض المختصين للمناقشة بل ملتقى يتم فيه تبادل التجارب والتطبيقات العملية وعرض المشاكل التي تجابه المدن المعاصرة للوصول إلى حلول تستند على التجارب الايجابية وتحاشي الأخطاء والإخفاقات التي لازمت بعض المدن العالمية التي أنشأت مشاريع تنموية أخفقت فيها لأنها تعاملت مع المدينة كمنتوج ترفيهي وأفرغتها من محتواها الثقافي والاقتصادي والبيئي والاجتماعي.

وأوضح أن الأزمة المالية العالمية الحالية بكل مخاطرها وسلبياتها تعد فرصة لأصحاب القرار والمخططين والمصممين لإعادة النظر في تشكيل المدن بصورة تلبي احتياجات الإنسان العصرية وتحافظ على البيئة من التلوث وكذلك التراث وتحقق أهداف التنمية المستدامة، لافتا إلى أن الحياة المعاصرة بكل تعقيداتها أفرزت نمطا من وسائل النقل والاتصال لا تستجيب للمتطلبات المعيشية.

من جانبه أكد البروفيسور عادل الأربي مدير عام مجموعة الاستشارات الهندسية النمساوية أن مؤتمر عجمان للتخطيط العمراني تناول قضايا مهمة وهي الطاقة البديلة وانعكاساتها على بناء المدن وإعادة ترتيبها، وكذلك عملية توليد الكهرباء التي يجب أن تعتمد على مصادر الطاقة الطبيعية بعد أن يتم استخدام الطاقة الشمسية في عملية التكييف واعتماد الهندسة المعمارية البيئية الحديثة والالتزام المتوازن ورفع مستوى كفاءتها وفعاليتها يحافظ على البيئة من التلوث إلى جانب إعادة تدوير النفايات واستخدام نظام حديث للمواصلات، مضيفا أن في أوروبا تم استخدام تقنيات حديثة في البنايات المرتفعة تقتصد 80 % من الطاقة مقارنة بالبنايات الكلاسيكية المنتشرة هناك.

ويرى البروفيسور مصطفى الشاوي مدير معهد بحوث البيئة والإنشاء في جامعة سالفورد ببريطانيا أن الغرض من إقامة المباني توفير بيئة صحية لمستخدميها سواء للسكن أو العمل أو الرفاهية للشعور بالراحة والاستمتاع، إضافة إلى عاملين رئيسيين هما عاملا الاستدامة البيئية وسهولة استخدام الجميع للمداخل والمخارج في كل الظروف، لافتاً إلى أن التصميم الجيد للمباني لا يمكن فصله عن الأمور البيئية، وأن جميع المباني يجب أن تقوم بالأساس على المعايير البيئية وتلك الأمور المتعلقة بالأمن والسلامة.

وأضاف أن رؤية المصمم يجب أن تشمل مراعاة واضحة للمبادئ البيئية والتراثية والحضارية عدا عن استخدام الموارد المتوافرة محليا، راجيا أن يكون هذا المؤتمر هو أحد الخطوات البناءة في اتجاه تحقيق أهداف التنمية المستدامة و يثمر توصيات يمكن الاستناد عليها والاستفادة منها في مسيرة التنمية العمرانية نحو مستقبل واعد لمدينة عجمان.

من جانبه أكد البروفيسور مشاري عبدا لله من جامعة الملك فيصل بالسعودية أن عجمان لا تحتاج أن تكرر تجربة دبي بل أن تكون مدينة متوسطة مطلة على البحر ومتنفسا للإمارات والخليج ونمطا مختلفا عن غيرها وصديقة للبيئة، لافتا إلى أن مؤتمر عجمان للتخطيط تناول أوراقا لخبراء تشير إلى ابتكارات جديدة يمكن أن تمثل العمارة المحلية في عجمان وهي تضع مخططها للعام 2030.

وشرح ميريت بوشلز من مكتب بوشلز ماكويني في دبلن بجمهورية ايرلندا علاقة المخطط الحضري بالطاقة وتنسيق الموقع، متطرقا إلى خبرة الباحث في مجال التصاميم المعمارية خلال وجوده في ايرلندا، مشيرا إلى أن التصاميم يجب أن تتجاوز مفهوم الجانب الوظيفي والجمالي إلى إيجاد حلول لقضايا الطاقة والإضاءة.

وأشار اتيلو بتروتشيدلي عميد كلية العمارة بجامعة باري في ايطاليا إلى التراث كمرجع في التصميم المستدام، حيث طرح أهمية العودة إلى المباني التاريخية والتقليدية لاستنباط واستخلاص المبادئ والحلول الناجحة في التصميم، رغم صعوبة ذلك أمام تحديات العمارة الحديثة ومبادئ الأفكار المعمارية التفكيكية، منوها إلى ضرورة الاهتمام بالنقل والحركة المستدامة والعوامل المؤثرة ومتطلبات الحركة الصحيحة في المدينة، من خلال أمثلة لحلول النقل في مختلف دول العالم والتي طبقتها مؤسسته ومقارنتها مع مواقع مدينة عجمان.

عصام الدين عوض