ساحات واسعة يملأها ضجيج التلاميذ، يتراكضون في جميع زواياها يبحثون فيها عن فكرة جديدة تفتح أمامهم مستقبلا زاهرا، في تلك الساحات اجتمع أكثر من 500 طالب يعرضون ما أفرزته عقولهم من أفكار تجارية، استطاعوا معها أن يتحولوا إلى تجار صغار يحاول تعلم طرق البيع والشراء ولمس ميزانيات الربح والخسارة، في ساحات مدرسة الاتحاد الخاصة بالممزر اجتمع هؤلاء ليعاركوا الحياة ويتشربوها بمرها وحلوها، اجتمعوا ليتعرفوا على طرق تركيبة الأسواق والاقتصاد وكل شيء.

وحول طبيعة هذا المهرجان تقول منى الجسمي، مديرة المدرسة: «لقد أصبح المهرجان أحد العلامات الفارقة التي تتميز بها مدرستنا، فخلال خمسة أعوام استطعنا من خلال التغييرات المتعددة أن نكتسب خبرات مختلفة، وكان لطلبتنا الباع الطويل في إبداع المشاريع والأنشطة المختلفة، فهدفنا هو تدريب الطلاب على كيفية إنشاء وإدارة المشاريع وإكساب الطلاب المهارات العملية».

وتواصل: «العمل في هذا المهرجان كان خلال الفترة الماضية يتم في ظروف أكثر راحة مقارنة مع هذا العام الذي جاء فيه المهرجان في ظل ظروف مختلفة ضاغطة على الجميع، ولذلك فنحن نعتبر مجرد إقامته بحد ذاته تحديا، وعملنا بكل جهدنا على جعل هذه الظروف حافزا لتكريس الجهود لإنجاح عرسنا السنوي، لنثبت إنه حين تتوفر الإرادة القوية والرؤية والتخطيط الصحيح تنجح المبادرات.

وأن بإمكان طلبتنا العمل والإبداع رغم الظروف الاقتصادية الصعبة الضاغطة علينا جميعا، خاصة وأن الهدف الرئيس الذي نعمل لأجله هو بناء طالب قادر على مواجهة متطلبات الحياة وشروطها وقادر على إحداث الفرق في التغيير بمفهومة الايجابي ليحقق بذلك معادلة المواطن الصالح الذي يعمل من أجل وطنه ومجتمعه».

دور عملي

وحول أهداف المهرجان الأساسية يقول الأستاذ محمد عودي، نائب مدير المدرسة لقسم البنين: «الهدف الرئيسي من المهرجان هو أن إعطاء الطالب دور عملي مختلف وبعيد عن الدور الدراسي والأكاديمي، وذلك لتهيئة الطالب للعمل الميداني ومجريات السوق وما فيها من عمليات الربح والخسارة، وتنظيمنا لهذا المهرجان جاء من منطلق إدراكنا التام بأن الطالب يكون في أحيان كثيرة مضغوط في دراسته بين أربعة جدران.

وبالتالي فهذا لا يكفي لمواجهة الحياة العملية مستقبلا، ولذلك بدأنا بتوجيهه للميدان بطريقة مختلفة ومبتكرة تمكنه من الحصول على المتعة التي يريدها ما يرفع مستوى حبه للدراسة والعمل، إلى جانب إن ذلك يمكنه من تحمل مسؤولياته في المستقبل عبر ما يحققه من أرباح أو مكاسب مادية بسيطة الأمر الذي يشعره بأنه حقق إنجازا.

وعملنا من خلال المهرجان على تشجيع الطالب على تطبيق أقواله على أرض الواقع، لإدراكنا بأن الطالب يحب التعلم خارج الجدران، وهذا بلا شك يعطيه فرصة للاحتكاك بالبيئة المحيطة به ومعرفة طرق التعامل معها، ويشجعه على العمل بروح الفريق».

وفي الإطار ذاته، يوضح لنا عودي طبيعة ردة الفعل الحضور على المهرجان فقال: «لقد لمسنا خلال الأعوام السابقة ردة فعل مشجعة من قبل الأهالي والطلاب، خاصة وانه كان يحظى برعاية كاملة من كبار الشخصيات في الدولة إلى جانب العديد من شركات القطاع الخاص».

تطوير الفكرة

وفي حديثه معنا أوضح بسام خليفة، مسؤول دائرة إدارة الأعمال في المدرسة، بأن فكرة المهرجان كانت في البداية عبارة عن مهرجان ترفيهي، وقد استطاعت أن تحقق نجاحا ملحوظا خلال عامها الأول، وقال: «ارتأينا أن نعمل على تطوير هذه الفكرة لنعطي الطالب فرصة تطبيق ما يدرسه في مادة الاقتصاد بالمرحلة الثانوية على أرض الواقع، حيث يطلب من كل طالب خلال فترة الفصل الأول تقديم مشروع اقتصادي قابل للتنفيذ، بحيث يتضمن ملخص عام لفكرة المشروع وجدوى اقتصادية وبيان لميزانية المشروع.

وحملة إعلانية وخطة تسويق، وفي المرحلة الثانية يبدأ الطالب بتطبيق فكرته على أرض الواقع، علما بأنه يجب على الطالب تنفيذ فكرته بنفسه دون مساعدة خارجية من أحد، وعليه أن يختار آلية التمويل إما أن تكون شخصية أو عن طريق جهة راعية، وإذا اختار الثانية، يحصل الطالب على رسالة من المدرسة ويتوجه بها إلى المؤسسات التي يختارها، وقد سبق للطلبة أن حصلوا على رعاية من بعض المؤسسات مثل مؤسسة الشيخ محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب، وبنك الإمارات، بنك دبي الوطني، اعمار، نخيل، هيدرا، القدرة القابضة».

أنواع مختلفة

ويضيف: «عادة يكون هناك نوعان من المشاريع، الأول مخصص لطلبة المرحلة الثانوية ويجب أن يكون من إبداع الطالب وبالتالي فهو المسؤول عنه من الألف إلى الياء، أما النوع الثاني قيام الطالب بفتح الطالب فرع لإحدى المطاعم أو المقاهي أو المحلات التجارية، وبالتالي فهو يصبح وكيل لها داخل المدرسة أثناء فترة المهرجان، وفي هذه الحالة يكون له نسبة في الأرباح التي يحققها المطعم أو المحل، ولكن مثل هذه المشاريع عادة ما تكون للطلبة صغار السن الذين لا يطلب منهم تقديم فكرة مشروع، ولكنها تكون عملية إعداد تمهيدية للطالب قبل دخوله المرحلة الثانوية».

ويتابع: «بلغ عدد الأكشاك في دورة المهرجان لهذا العام نحو 120 كشكاً نصفها للفتيات، أما المشاريع فقد وصل عددها إلى 150 مشروعاً بعضها يشترك فيه أكثر من طالب، تتضمن على الأقل 15 فكرة لم يتم تنفيذها من قبل مثل لعبة الرماية بالماء، ولعبة التوازن، ولعبة سباق السيارات، وحديقة للحيوانات الأليفة وغيرها، في حين يفوق عدد الطلبة المشاركون في المهرجان أل 500 طالب، ونتوقع أن لا يقل عدد زوار هذا العام عن 10 ألاف شخص».

وأشار خليفة إلى أن دائرة إدارة الأعمال تقوم في نهاية المهرجان بتعيين لجنه تقوم بتقييم المشاريع التي قدمها الطلبة، والتي بدورها تحدد الأفكار الفائزة، وتعتمد عملية التقييم على مدى تحقيقه للأرباح علما بأن الربح يقاس بحجم المشروع، وكذلك أفضل ديكور، وأفضل حملة تسويقية، وأفضل حملة إعلانات، وأكثر فكرة ناجحة.

وأفاد خليفة: «في واقع الأمر لا نكتفي بتطبيق المشروع على ارض الواقع، إنما نطلب من الطلبة في نهاية المهرجان تقديم موازنة عامة للمشروع تتضمن نسبة الربح والخسارة فيه، ونحاول من خلال ذلك تعرفيهم على طرق التعامل المختلفة في الأسواق وكيفية التعامل مع النقود وحسن إدارتها، إلى جانب تعويده على متابعة أمور مشروعه والتعرف على مصادر شراء المواد بأقل الأسعار».

أما عن السلامة والأمان التي يتم توفيرها خلال فترة المهرجان، فيقول خليفة: «بالتأكيد نحن نأخذ بعين الاعتبار جميع هذه الأمور، وفي كل عام نعمل بالتنسيق مع شرطة دبي على توفير سيارة إسعاف ودوريات للشرطة في محيط المهرجان، بالإضافة إلى إننا نتعاقد مع شركة حراسات خاصة، كما يتم توزيع المهام على جميع مدرسي المدرسة البالغ عددهم 165 مدرساً، ونقوم بتوفير أجهزة اتصال لاسلكية لجميع المشرفين على المهرجان، بالإضافة إلى عربات غولف صغيرة حتى تكون عملية التنقل سهلة».

تجار صغار

وأثناء جولتنا التقينا الطلبة علي المعلا وأحمد هاشم، أعضاء اللجنة المنظمة للمهرجان والذين أفادوا بأن المهرجان بات يمثل تقليدا مهما في المدرسة، فمن خلاله يمكن للطلبة الاحتكاك بسوق العمل والتعرف عليه ومجاراته، وأشاروا إلى أن الأزمة المالية قد أثرت على المهرجان بتغييب الرعاة عنه كما كان سابقا، ولكنهم بالمقابل شكروا إدارة المدرسة على تراجعها عن قرار إلغاء المهرجان هذا العام، إلى جانب إعطائها لهم فرصة المشاركة في تنظيم المهرجان والمساهمة في إنجاحه.

في المقابل يحدثنا الطالب أحمد المهيري عن مشروعه فقال: «قدمت المشروع بالاشتراك مع أربعة من زملائي، وهو عبارة عن لعبة ترفيهية، تؤهل الفائز فيها لدخول سحب على جوال «بلاك بيري»، والهدف من اختيارنا للجوال هو جذب أكبر كم ممكن من الحضور، وقمنا جميعا بتمويل المشروع من مالنا الخاص، علما بأن تكاليفه وصلت إلى 7000 درهم، ونتوقع بأن نحقق أرباح تتجاوز أل 5000 درهم، وأشار أحمد الذي يشارك للمرة الأولى في المهرجان إلى أن فكرة المهرجان فريدة ورائعة وإنها شجعته كثيرا على العمل».

أما الطلبة حمد إسماعيل أهلي ومحمد النعيمي وعمر الشامسي والذين اشتركوا معا في مشروع حديقة الحيوانات الأليفة فقالوا: «مشروعنا عبارة عن حديقة تضم أنواعا مختلفة من الحيوانات الأليفة سيكون بعضها للبيع وأخرى للعرض، وقد كلفنا المشروع ما يقارب 15000 درهم، واستطعنا أن نحصل على رعاية جزئية له من قبل شركة «أي زون» أما البقية فكانت من جيوبنا الخاصة».

وأشار الطلبة الثلاثة إلى إنهم سيعملون في مشروعهم على تقديم خدمات مختلفة مثل التصوير مع الحيوانات وتقديم الطعام لها وغيرها، وتوقعوا أن يتمكن مشروعهم من جذب عدد كبير من الحضور خاصة الصغار منهم، كما أشاروا إلى إنهم استفادوا كثيرا من التجربة وتعرفوا من خلالها على كيفية التعامل مع الجمهور والتجار وأجواء العمل في السوق، علما بأنه سبق لهم المشاركة في معرض التاجر الصغير الذي أقيم في دبي مول مطلع الشهر الجاري.

في المقابل فضلت الطالبة عائشة محمد البدور وزميلاتها في هذا المهرجان اختيار الحلويات والكعك مجالا لمشروعها، حيث يقدمن فيه أنواعا مختلفة من الكعك سواء من حيث الطعم أو الحجم أو الشكل، كما عملن على إحضار ''«نافورة الشوكلاته» كجزء من المشروع، وأشارت عائشة إلى أن كلفة المشروع بلغت 3000 درهم، وإنها استطاعت أن تحصل على رعاية جزئية من شركة أسواق، وتتوقع أن يكون هناك إقبال على مشروعها، أما الطالبة روضة علي الكتبي فقد اختارت الإكسسوارات مجالا لمشروعها.

واختيارها لهذا المجال جاء بناءً على ما لمسته من إقبال الفتيات على ارتداء الإكسسوارات، وأشارت إلى جميع الإكسسوارات المعروضة مصنوعة باليد، وإنها وبالتعاون مع زميلاتها قمن بانجاز هذه الإكسسوارات، وتوقعت روضه أن يكون هناك إقبال عال على معروضاتها خاصة بعد قيام عدد من الفتيات بحجز بعضا منها.

غسان خروب