تعيش المنطقة الشرقية أجمل مواسم السنة، فإلى جانب الخضرة وسيلان الوديان التي حملتها إلينا أمطار الخير، أطل علينا في ربيع هذا العام موسم جديد وفريد من مواسم نبات «الفقع» أو الكمأة وهو نوع من أنواع الفطر النادر، ينمو بالكامل تحت سطح الأرض بلا ساق أو أوراق بل يميل شكله إلى البطاطس الصغيرة رخوة من الداخل وسطحها يكون إما أملساً أو درنياً.
ويتكون بعد موسم الأمطار نتيجة اشتداد الرعود والبرق، والتي تعمل بدورها على تكوين أكاسيد الأزوت في الهواء الجوي لتذوب في قطرات المطر المتساقطة على الأرض مشكلة عوامل نمو فطر الكمأة أو «الفقع». وترجع ندرة هذا الفطر إلى عدم إمكانية زراعته إذ يحتاج إلى ظروف طبيعية معينة لا تتم إلا برزق من الله، لذلك أطلق العرب عليها قديما اسم «بنت الرعد» وأنعش موسم «الفقع» هذا العام هواية البحث عن هذا الفطر، حيث يخرج الأهالي بحثا عنه منذ طلوع الشمس ولا يشعر بنفسه إلا وقد انتهى به النهار وهو يجوب الأرض باحثا عن هذا الفطر المبارك، حتى كاد أن يصبح البحث عن هذا الفطر لونا جديدا من ألوان الصيد الفريد، إذ من المعروف لدى سكان المناطق الجبلية في الساحل الشرقي حبهم وعشقهم الشديد للبحث عن هذه النوع من الفطر، لإيمانهم بفوائده وبركته فضلا عن طعمه اللذيذ والفريد الذي لا يسمح لمفضليه أن يتذوقوه إلا في أيام قليلة من السنة.
وليس من السهل على أي شخص إيجاد الكمأة أو «الفقع» إذ إنها تنمو في البوادي بالقرب من جذور الأشجار الضخمة أو بعض الشجيرات، حيث يعتمد عليها في المعيشة، كما قد تتواجد غالبا في الأماكن المظللة والقريبة من مواطن العسل الطبيعي، فتجد أن من السهل على العسالين جمع ثمرة الكمأة لاطلاعهم على مناطق تواجدها، كما يستدل البعض على هذا الفطر عن طريق طائر « بابو السح» .
وهو عصفور صغير يفضل الكمأة كطعام، أو عن طريق نبات الأرقة الذي ينمو بفعل الأمطار في أماكن تدل على قرب تواجد فطر الكمأة لتعايشهما بصورة تكافلية حيث يمتص الفقع الماء والأملاح والمواد الغذائية من جذور نبات الأرقة عن طريق خيوط خاصة، مقابل أن يستفيد نبات الأرقة من بعض العناصر المعدنية من الفقع والتي لا يجدها في التربة. وللفقع شكل الكروي، لحمي رخو منتظم وسطحها أملس أو درني ولونها يختلف ما بين البني والأسود وعادة ينبت الفقع تحت سطح الأرض على شكل درنات بأحجام مختلفة.
أغلى أنواع الفطر
فتح موسم «الفقع» الحالي فرصة ثمينة للعاملين في الأسواق الشعبية في إمارة الفجيرة، إذ تصدر مبيعاته على كافة أنواع الفواكه والخضروات، حيث وصل سعر الكيلوغرام الواحد من هذا الفطر في موسم الوفرة إلى 70 درهما، وقد يصل بعد أيام قليلة إلى 100 درهم إيذانا بالانتهاء.
ويميز محبي الكمأة ما بين الفقع الأبيض والذي يعرف محليا بـ «الزبيدية» وبين النوع البني والذي يطلق عليه «الحمرة»، وحيث يفضل الأغلبية النوع الأبيض وهو الأغلى ثمنا وأفضل طعما. وتتباين أحجامها حسب النوع فالزبيدية تكون أكبر حجما من الحمرة، في حين لا تزيد أحجامها بشكل عام عن حجم قبضة اليد إلا في حالات نادرة.
ويعتبر فطر الكمأة من أغنى المصادر النباتية بالبروتين الذي قد يوازي قيمة البروتين في المصادر الحيوانية ما يجعله عند البعض الأفضل عند مقارنته بالبروتين الحيواني المشبع بالدهون، فضلا عن احتوائه على ألياف غذائية مفيدة في تقوية وتليين الجهاز الهضمي.
كما تحتوي الكمأة على الفسفور والبوتاسيوم والصوديوم والكالسيوم، وغنية بالفيتامين ب1 أو الريبوفلافين الذي يفيد في هشاشة الأظافر وسرعة تقصفها وتشقق الشفتين واضطراب الرؤية وتعتبر الكمأة وغيرها من الفطور مواد رئيسية في موائد الغرب يصنعون منها الحساء ويزينون بها موائدهم، والكمأة مع ذلك تفوق جميع أنواع الفطور الأخرى في قيمتها الغذائية ولها خواص مقوية.
أطباق الفقع
يتلذذ البعض في أكل الكمأة بأنواعها، فقد تنوعت أطباق الكمأة أو «الفقع» حسب الأذواق والعادات، إلا أنه وقبل الطبخ هذا النوع من الفطر لا بد من الحرص على تنظيفه بصورة جيدة لإزالة كافة الأتربة العالقة به من جراء نموه تحت طبقات الأرض، بل ومن الأفضل إزالة القشرة الخارجية للفقع حرصا على الصحة العامة.
ومن بين أشهى الأطباق المقدمة فيها الفقع المحلي هي «يخنة الفقع» التي تطهى بعد أن يتم تخليل الفقه في ماء مضاف إلية القليل من الليمون لتخلص من الأتربة، ثم تطهى على نار هادئة بإضافة محسنات الطهي وبعض أنواع الخضروات. وتفنن البعض في إدخال الفقع على أطباق الأرز مثل «مكبوس الفقع»، أو يكمن تقديمه على صورة حساء يحمل قيمة غذائية عالية، بل ويعتبر الفقع المشوي أو المقلي بصورة شرائح مع الملح والفلفل الأسود من ألذ الطرق التي بقدم فيها الفقه.
ابتسام الشاعر

