بلا شك فإنه في أحيان كثيرة قد تؤدي فكرة صغيرة إلى تغيير مفهوم عام لدى المجتمع، وهو ما فعلته فكرة واحات الرشد التي تهدف إلى تغيير مفهوم العلاج النفسي وطبيعة الرعاية التي يحتاجها المريض النفسي، إلى جانب محاولة إخراج المريض النفسي من أروقة المستشفيات وتأهيله تمهيداً لإعادة دمجه في المجتمع.

وعند التفكير ملياً في عمق هذه الفكرة المبتكرة نلمس عظمتها، فهي تعمل على تخفيف الأعباء الملقاة على عاتق البيت أو المستشفى أو حتى المجتمع، لأنه في كل إنسان حتى ذلك الفاقد للأهلية طاقة يمكن استغلالها بطرق معينة تؤدي في النهاية إلى إفادة المجتمع يقول د. جاسم المرزوقي، القائم بأعمال مدير قطاع الدعم النفسي في دائرة الخدمات الاجتماعية بالشارقة، عن طبيعة هذا المشروع، وفكرته: «مشروع إدارة واحات الرشد من المشاريع الحديثة المبنية على أسس علمية منهجية تنادي بها أغلب المنظمات الصحية حاليا لإنشاء مصحات قريبة في شأنها من المنازل وبعيدة عن منظومة المصحات المغلقة كالمستشفيات، وبالتالي فك القيود المفروضة على المريض النفسي.

ويعتبر مشروع واحات الرشد الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، ولا يوجد له مثيل سوى في بعض الدول الأوروبية، وتحسب فكرة المشروع إلى سعادة عفاف المري، مدير عام الخدمات الاجتماعية بالشارقة». ويواصل: «تأسس المشروع في ابريل 2007، بمرسوم أميري من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وهو يتبع لإدارة الخدمات الاجتماعية بالشارقة التي تندرج تحتها عددا من الإدارات منها إدارة واحات الرشد ووحدة الأمل للرعاية اللاحقة، ولا يقتصر عملنا في متابعة الحالات على الشارقة فقط، وإنما يوجد هناك بعض الحالات التي نقوم بمتابعتها في الإمارات الأخرى وفق الإمكانيات المتاحة لنا».

ويتابع: «نحن ندرك مدى الصعوبات الملقاة على عاتقنا، ولكن نحن نسعى من خلال هذا المشروع والذي لم يسبق لأحد التعامل معه في المنطقة، إلى تغيير ثقافة المجتمع، ولذلك فنحن نعتبر خروج هذه الفكرة من قمقم الخوف والتقييد التي تفرضها أحيانا العادات المجتمعية انجازا كبيرا، خاصة وإننا نسعى إلى صون كرامة واستقلالية المريض النفسي».

أصناف الحالات

منذ تأسيسها وحتى الآن استقبلت واحات الرشد 26 منتسبا، في حين بلغ عدد المنتسبين لوحدة الأمل للرعاية اللاحقة منذ عام 2007 وحتى الآن 84 منتسباً، وقد وضعت إدارة واحات الرشد العديد من الخطط لاستقبال المرضى ولكيفية التعامل معهم بطرق مدروسة، وحول الحالات التي تستقبلها الدار يقول د. المرزوقي: «يوجد لدينا في الدار ثلاث فئات وهي التي تم إخضاعها لدراسة نفسية شاملة.

وتتمثل الفئة الأولى في المرضى الذهانيين كمرضى الفصام، الهوس، ثنائي القطبية، الشخصية المضادة للمجتمع وغيرهم، والفئة الثانية هم من المرضى العصابيين أو ذوي السلوك المرضي كاضطرابات القلق والاكتئاب وأمراض السلوك والمدمنين، وهذان التصنيفان عالميان بحسب الدليل التشخيصي للأمراض النفسية الأمريكي، أما الفئة الثالثة فهي تتمثل بذوي العجز الصحي وذوي الإعاقات والمحرومين من الرعاية الاجتماعية».

ويشير د. المرزوقي إلى أن استقبال المنتسبين يكون إما من خلال المستشفيات أو البيوت أو المنشآت الإصلاحية، ويجب أن تكون حالة المنتسب النفسية مستقرة بحسب تشخيص الطبيب النفسي، وأن يكون ضمن الفئة العمرية 18 ؟ 59 عاما، إلى جانب أن يكون راغباً في الانتساب باستثناء الأشخاص فاقدي الأهلية.

ويواصل المرزوقي: «قبل دخول أي منتسب إلى الدار نقوم بإخضاعه للدراسات النفسية والاجتماعية وذلك لتشخيصه وتحديد مكامن قوته وضعفه، والتي على ضوئها نحدد طبيعة البرامج التي يجب أن يخضع لها المنتسب حتى نتمكن من إعادة تأهيله تدريجيا في المجتمع واستغلال الحد الأقصى من قدراته الجسدية والعقلية.

وبعد دخول المنتسب إلى مركز الإيواء يتم تصنيفه وفق المجموعات الموجودة فيه، والتي تنقسم إلى ثلاثة أنواع الأولى وهي المجموعة التي لا يوجد لديها من يقوم برعايتها، وهذه تبقى مستقره في الدار، والمجموعة الثانية التي لديها أهل أو أقارب، وتحاول الإدارة إلى دمج هذه المجموعة في المجتمع بشكل تدريجي على أن يتم خدمتها ورعايتها من خلال وحدة الأمل للرعاية اللاحقة التابعة للإدارة.

وفي حالة انتكاسها يتم إعادتها إلى الدار، أما المجموعة الثالثة وهي تتمثل في الأشخاص الذين يعانون من انتكاسه دائمة في حالاتهم وبالتالي فلا يمكن لهم العيش بالدار أو حتى داخل المجتمع، ولكن تحاول إدارة واحات الرشد اقتناص الأفراد الذين تستقر حالتهم وتستقبلهم لديها ولكن بمجرد انتكاسة حالتهم يتم إعادتهم إلى المستشفى.

برامج مختلفة

أما عن طبيعة البرامج التي يخضع لها المنتسب للدار فيقول د. المرزوقي: «لدينا عدد من البرامج والخدمات التي نقدمها للمنتسبين لإدارة واحات الرشد، وخلال العام الماضي قمنا بتقديم 1096 برنامجا نفسيا، و3232 برنامجا اجتماعيا، و22753 برنامجا صحيا، و146 برنامجا ثقافيا، و117 برنامجا تعليميا، و3592 برنامجا دينيا، و488 برنامجا رياضيا، و932 برنامجا ترويحيا، و75 برنامجا تأهيليا.

وقد آتت بعض البرامج ثمارها حيث استطعنا من خلالها تغيير النمط السلوكي العام للعديد من المنتسبين، وهذا أدى إلى كسبهم آلية قيادية وليست انقيادية كما تعودوا عليها في السابق، حيث أصبح بعضهم ملتزما بأداء الشعائر الدينية، وبعضهم أصبح يعتمد على نفسه في الخدمة الذاتية، وغيرها، وبالطبع هذا ساعدنا كثيرا على إعادة دمج بعضهم بشكل جزئي في المجتمع».

وحول ردة فعل المجتمع على ما تقوم به الدار أفاد د. المرزوقي: «على الرغم من إشارات الشكر والثناء التي وصلتنا على ما نقدمه من خدمات ورعاية اجتماعية، إلا أننا ما زلنا نعاني من الفئة التي لا تتقبل فكرة وجود مريض نفسي بين أفراد الأسرة وبالتالي فهي تحرمنا من تقديم العون والعلاج له».

تأهيل الموظفين

لقد عملت إدارة واحات الرشد في بداية تأسيسها على تأهيل موظفيها وإكسابهم مهارات خاصة لتمكينهم من التعامل مع منتسبي الدار، وحول ذلك قال د. المرزوقي: «عندما بدأنا العمل في الدار قمنا بوضع آلية لتعيين الموظفين، خاصة وأننا نعاني في الدولة من ندرة في الاختصاصيين الحاصلين على درجة البكالوريوس تحديدا ممن يمتلكون الكفاءة والخبرة.

ولذلك اضطررنا إلى التوجه نحو الخريجين الجدد الذين تم اختيارهم على أسس علمية وإخضاعهم لاختبارات نفسية وشخصية، بالإضافة إلى دورات تدريبية داخلية، بغية تأهيلهم وإكسابهم الخبرة للتعامل مع منتسبي الدار».

غسان خروب