نلمس اليوم اهتماما كبيرا بعمليات الإرشاد الأكاديمي والمهني للطالب على مستوى مراحل التعليم الثانوي والجامعي بشكل خاص، ولكننا لا نرى اهتماماً مماثلاً بالإرشاد الاجتماعي والنفسي لطلابنا وحتى بين أفراد المجتمع، فقليلا ما نرى من يلجأ لاختصاصي أو مرشد لمساعدته في حل إحدى مشكلاته الحياتية.
بل لا يزال الاعتماد كبيراً على أخذ النصائح والمشورة من الأفراد المحيطين بنا بما يسمى بمصادر الإرشاد غير الرسمية، وربما نلجأ لمن لديه تجربة من منطلق «اسأل مجرب»، ولكن علينا أن ندرك أن تلك الطرق غير الرسمية لا تقودنا دائما للطريق الصحيح لحل مشكلاتنا وربما تتسبب في تفاقمها، لذا فإننا بحاجة ماسة اليوم لتطوير عمليات الإرشاد خاصة الاجتماعية والنفسية لتحسين حياتنا ومواجهة متغيرات العصر معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي أشار في كلمة وجهها مؤخرا لمؤتمر «الإرشاد العربي 2009» الذي نظمته كلية أبوظبي التقنية للطالبات إلى التحدي الكبير الذي يواجه المهن والعاملين في مجال الإرشاد والتوجيه وهو نقص التوعية بين الأفراد وعائلاتهم عن أهمية البحث عن المشورة المهنية.
وكذلك وجود خدمات استشارية غير رسمية والتي يأخذ بها الفرد من الأفراد المحيطين به، وأن تلك الاستشارات تلعب دوراً مهماً في حياة الفرد اليوم ولكنها تأتي ممن ليس لديهم التدريب المهني، لذلك هناك حاجة ماسة إلى تطوير حملات التوعية التعليمية والعامة التي تضمن توعية هؤلاء المستشارين غير الرسميين لكيفية توفير خدماتهم، وتعريف الفرد بكيفية اللجوء للاختصاصي المتمرس.
مواكبة المتغيرات
وأكد الدكتور طيب كمالي أن مفهوم الإرشاد إلى اليوم غير معروف بشكل عام للأفراد في المجتمع وخصوصا المهارات المطلوب توافرها في المرشدين، فنحن اليوم بحاجة لوسائل ومهارات جديدة يجب أن يتمتع بها المرشد تكون متناسبة مع طبيعة العصر الحديث بمتغيراته المتسارعة.
فالمهارات والأساليب السابقة لم تعد ملائمة، مشيرا إلى أن المؤتمرات والفعاليات التي تعقد في إطار موضوع الإرشاد ومنها مؤتمر الإرشاد العربي الذي استضافته مؤخرا كلية تقنية أبوظبي للطالبات تهدف إلى التعريف بالمهارات والكفاءات التي يجب أن يتمتع بها المرشد أو الاختصاصي اليوم.
وأضاف أن كل مرحلة من مراحل نمو الإنسان وتعليمه يحتاج فيها إلى إرشاد بشكل مختلف يتناسب مع متطلبات كل مرحلة، وأن الإرشاد الأكاديمي هو جزء من إرشاد الفرد ولكن لابد من الاهتمام بالإرشاد النفسي والاجتماعي والمهني لمساعدة الفرد على النجاح في حياته والتعايش مع المتغيرات، مؤكدا أننا إلى الآن لم نصل لمستوى الإرشاد المطلوب، ولابد أن يبدأ الإرشاد من بداية السلم التعليمي للطفل أي من الروضة وأن تهتم الأسرة بذلك الجانب لأطفالها منذ صغرهم، مؤكدا أنه كلما كان الإرشاد مبكرا كلما كانت حياة أبنائنا أكثر استقرارا.
وذكر د.كمالي أنهم في الكليات لديهم تخصص لتأهيل كوادر وطنية في مجال الإرشاد الأكاديمي، وأن عملية التوعية بأهمية الإرشاد جزء من خطة عمل الكليات بهدف زيادة الوعي في هذا المجال والتعاون مع المؤسسات الأخرى للتعريف أكثر بالإرشاد وبطبيعة المشكلات التي يواجهها شبابنا اليوم والتحدث عنها بموضوعية لدراستها ووضع الحلول المناسبة لها.
فهم الذات
الدكتورة نورة العريفي فرعون أستاذة علم النفس بجامعة كولومبيا الأمريكية أوضحت أهمية الإرشاد في عالمنا العربي وأننا يجب أن نأخذ وقتنا في عملية تطويره للوصول به إلى ما هو عليه في الدول الغربية لأن تلك الدول أيضا لم تصل إلى مستوى التطور هذا وأن يصبح الإرشاد جزءاً من الخدمات التي تقدمها الدولة إلا بعد سنوات من العمل والدراسات البحثية، مشيرة إلى أن أهم ما يجب أن يتمتع به المرشد هو المعرفة الجيدة لذاته من خلال تفحصها وإدراك معتقداته وقيمه ومدى تقبله للآخر لينجح في عملية إرشاد هذا الآخر، ففهم الذات يساعد على فهم الآخرين.
وأشارت إلى أن الإرشاد في العالم العربي وخاصة دول الخليج يركز على الإرشاد المهني أو الوظيفي ويبتعد عن الإرشاد النفسي بسبب المفهوم السلبي السائد بأن من يلجأ لأخصائي نفسي هو شخص مريض نفسيا، وبالرغم من أهمية الإرشاد المهني كجزء من العملية الإرشادية للفرد إلا أنه من الصعب إرشاد الشخص مهنيا قبل إدراك ما إذا كان الشخص المستهدف بالإرشاد مدركاً لقدراته ومهاراته ولديه الثقة بذاته.
واعتبرت الدكتورة فرعون الإرشاد غير الرسمي خطراً وغير فعال خاصة على مستوى المشاكل الكبرى، فاللجوء فيها إلى أشخاص عاديين أمر يفتقد للموضوعية لسببين: الأول أن هذا المرشد غير الرسمي من المجتمع المحيط يأخذ آراءه من تجاربه الخاصة ومعتقداته، كذلك نجهل الدافع الحقيقي وراء عملية توجيهه لنا مما يجعل الفرد العادي غير مؤهل لتولي مهمة الإرشاد .
لذا فإن المرشد النفسي المتخصص سيكون أكثر حيادية في إعطاء النصيحة وليس لديه مصلحة ما يريدها سوى حل مشكلة من يلجأ له. ورأت أن التوعية بمفهوم الإرشاد تتطلب تكثيف الحملات الوطنية التوعوية، وتعريف الأفراد بطبيعة الأمراض النفسية التي يمكن أن يواجهها الفرد في حياته وأعراضها والتعريف بعناوين المرشدين وعمل خط ساخن للأفراد للحديث عن مشكلاتهم، والتوعية أيضا في المدارس والجامعات.
الحوار الأسري
علي الشهري الأخصائي الاجتماعي بجامعة الملك فهد للبترول المعادن بالسعودية اعتبر أن الإرشاد غير الرسمي مطلوب ولكن في حدود معقولة، فالحوار الأسري والمناقشات والتوجيه بين أفراد الأسرة أمر حيوي ويمكن أن يمتد ذلك النوع من الإرشاد إلى مؤسسات غير رسمية أخرى كالمساجد وكذلك الجيران، ولكن يبقى الاتجاه للإرشاد بالطريقة الرسمية هو الأكثر فاعلية لأنه إرشاد مقنن يعتمد على أسس نظرية وعلمية كما انه يقدم خطط علاجية وليس مجرد نصيحة.
واعتبر أن المشكلة في وطننا العربي تكمن في النظرة السلبية لمن يتعامل مع اختصاصي نفسي كذلك بحث الفرد عن العلاج الفوري والسريع، وأيضا عدم تقبل البعض للمرشد رغم أن لدينا كفاءات عالية، مؤكدا أهمية التعامل مع المرشد النفسي والاجتماعي لأن هناك مشاكل نفسية ناتجة عن أسباب اجتماعية، وبالتالي فإن بعض المشكلات سواء للطالب أو أي فرد عادي تتطلب الدراسة والرجوع للأسباب الحقيقية لحلها.
وأشار إلى ازدياد الاهتمام بعمليات الإرشاد للطلبة في الجامعات لدورها في تحسين حياتهم الأكاديمية والاجتماعية، كما أن بعض الحالات الطلابية قد تكون مرشحة لترك الدراسة ولكن بفضل الإرشاد تتميز علميا، لذا من الواجب خلق وعي بأهمية المرشد وأن يبدأ ذلك من الأسرة والمدرسة التي تعود الطالب على وجود مرشد نفسي واجتماعي وأن يدرج الإرشاد في المناهج، وتكثف اللقاءات التلفزيونية مع المختصين في الإرشاد.
إرشاد إنمائي
أما الدكتور علي مفتاح استشاري وأستاذ علم النفس الإكلينيكي بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن فقد اعتبر أن الإرشاد النفسي احد القنوات الشرعية للتعامل مع مشكلات الطلبة سواء النفسية أو الأكاديمية، وهناك إرشاد نفسي يوجه لفئة الطلاب في الجامعة أو لعامة الناس بهدف مساعدتهم على تخطي مشكلات لا تتسم بالعمق أي لا تصل لحد المرض.
وهذا النوع يتسم بجانب إنمائي أي ينمي شخصية الفرد ويعرفه بمتطلبات كل مرحلة في حياته، أما النوع الثاني فهو الإرشاد العلاجي المتعلق بالمشكلات المعقدة التي قد تصل بصاحبها لحد المرض النفسي والتي تقتضي دراسة حالة وطرح برامج علاجية مناسبة من خلال فنيات وطرق علاج متخصصة يعجز عن طرحها رجل الشارع.
وأكد د. مفتاح أن المشكلات النفسية لها تأثير كبير على تحصيل الطالب الدراسي فمن خلال خبرته يرى أن الطالب يتعرض لمشكلات نفسية أبرزها القلق والاكتئاب ومشكلات أخرى منها عدم التركيز وسرعة الانفعال والإحباط وعدم القدرة على تنظيم الوقت أو ترتيب الأولويات أو تحديد الأهداف، وأن بعض تلك المشكلات ناتجة عن مشكلات أو اضطرابات أسرية خاصة أن هناك أسر لا تملك القدرة على تعليم أبنائها المهارات الاجتماعية والشخصية للتعامل مع الحياة، بالإضافة إلى تأثير المواقف المدرسية والحياتية على الفرد.
وأشار إلى خطورة الاعتماد على الإرشاد من قبل الأفراد العاديين والمحيطين لأنه قد يؤدي لمضاعفة المشكلة لدى الفرد فيزداد قلقه أو توتره أو صراعاته الداخلية بدلاً من أن تقل، مشيرا إلى بعض الطرق التي يستخدمها المرشد النفسي في توجيه ومواجهة مشكلة الفرد، ومنها التعليم بالمحاكاة، والملاحظة والتخلص من الحساسية وتحديد الأهداف على المدى القصير والمدى الطويل، وكيفية إعادة تنظيم الأفكار، واستبعاد الأفكار اللا منطقية، والإرشاد التدعيمي الذي يعتمد على الطمأنة وكذلك التشجيع وتعديل البيئة والاستماع الجيد للآخر.
لبنى أنور


