عبد اللطيف عبد الحميد علامة فارقة في السينما السورية، من أكثر أبناء جيله إنتاجا وحضورا في الفيلم الروائي، لم يفقد بوصلته السينمائية وغزارة إنتاجاته منذ أفلامه الأولى، تجربته كرئيس لجنة تحكيم مهرجان الخليج السينمائي في دورته الثانية، لها مذاق خاص، فهو كما في أفلامه يعمل ويبدع ويثير الإعجاب ويفجر المتعة بملاحظاته وتعليقاته، وهذا هو الفرق بين نجوم يصنعون الفن الذي يعيش، وآخرين تصنعهم الدعاية الملونة وفلاشات المصورين.
قبل ساعات من إعلان جوائز مهرجان الخليج السينمائي، خص «البيان» بلقاء فتح فيه أوراقه، كاشفا عن صورة جديدة للسينما الخليجية تتبلور من خلال اختيارات الأفلام الفائزة، وجوائز وشهادات التقدير الخاصة بلجنة التحكيم، مسلطا الضوء على نقاط الضعف والقوة في الأعمال المشاركة، مفجرا مفاجآت حول فيلم جديد يجهز له تدور أحداثه بين دمشق ودبي، ولم يتردد في الإجابة على الأسئلة التي طرحناها عليه في الحوار التالي:من المؤكد أن تجربتك رئيسا للجنة تحكيم مهرجان الخليج السينمائي في دورته الثانية، أعطتك بعدا وإلماما بتفاصيل السينما الخليجية، فكيف تراها؟
بداية أقول، كانت لدي لهفة كبيرة للتعرف على هذه السينما في الخليج، وكنت أتشوق للاقتراب مما يصنعه السينمائيون في هذه المنطقة، وما رأيته من أعمال خلال الأيام الماضية وهي 75 فيلما شاركت في المسابقة الرسمية للمهرجان، فيها تعبير واضح عن مستوى العمق والاجتهاد الذي يعملون من خلاله، وفي كثير من المناطق حقيقة أصبت بالدهشة والفرح لمشاهدتي مجموعة من الأفلام تعبر عن موهبة على صعيد التقنية والتصوير.ولكن هناك ضعفا لمسته بشكل أساسي في الحكاية، وأعتقد أن مشكلة هذه السينما كما رأيتها يأتي السيناريو على رأس عناصرها، فللأسف شاهدت أفلاما من حيث التقنية هي أعمال في غاية الأناقة، وإنما بمضمون ضعيف، وهذا هو فقط مأخذي الذي وضعت يدي عليه، ولفت انتباهي أن هناك من المخرجين الشباب من يتمتعون بموهبة واعدة، ومنهم من أحسن اختيار موضوعه ولديه اكتمال في الصورة وبالتالي سيكون هو من الفائزين.
وأخذت على بعض الأعمال الخليجية وبشكل عام انتقاءها لمواضيع لا علاقة لها بالحياة اليومية وما يجرى في الخليج، ومستعارة من السينما العالمية ونقلت بلا روح ولا نكهة، ولكن يوجد بها تقنية في التصوير وتحريك الكاميرا والإضاءة وأشياء أخرى، وهناك مشكلة أيضا في المونتاج لبعض الأفلام، ولابد من التركيز عليها مستقبلا ودراستها وممارستها لاكتساب خبرات فيها.
حيث غلب طابع التعتيم بين المشهد والآخر وهذه مسألة غير مفهومة، وكانت هذه صفة عامة على 90% من أغلب الأعمال التي رأيتها، أما ما تبقى فأعتقد أن الاستمرارية على هذا الإيقاع والارتقاء والتعلم من الأخطاء، مع الانتباه للنص يمكن أن يولد سينما جميلة جدا.
بعد ساعات سنتعرف على نتيجة لجنة التحكيم وملاحظاتها، فهل ضعف السيناريو للأفلام، دفعكم للتقييم وتركيز الدرجات على عناصر أخرى؟
هناك أفلام استطاعت أن تتجاوز نقطة الضعف في السيناريو، وبالتالي وبعيدا عن ذكر أسماء الأفلام الفائزة والتي ستعلن اليوم، فالتقييم كان شاملا، لأن هناك أيضا أعمالا ـ أقول عنها ـ تدخل روحك بلا استئذان، واللافت للانتباه أن الانسجام بين أعضاء لجنة التحكيم، جعل النقاش الهادف والجميل والموضوعي، يصب في أن تفوز الأفلام المشاركة ببرامج المسابقة المختلفة بالإجماع، حتى أننا لم نتطرق ولو لمرة واحدة للتصويت، وكنا نصل بعد الحوار الطويل إلى قناعات أن هذا الفيلم يستحق الجائزة الأولى وذاك الثانية أو الثالثة، وسنشرح في بيان تحكيمي، لماذا حصل الفيلم على هذه الجائزة؟.
كيف كان شكل المنافسة في مسابقة الفيلم الروائي الطويل؟
اتضح أن نقطة الضعف الأساسية في السينما الخليجية هي الفيلم الروائي الطويل، وعندما تحدثت عن استعارة المواضيع، كنت أعني أنها أخذت من أفلام معروفة، وبدون ذكر الأسماء، فالشخص الذي استعار موضوعه من فيلم أجنبي، صنع بالفعل تقنية وحضورا سينمائيا جميلا، وتساءلنا لو أعطي نصا متكاملا فكيف سينفذه؟
ومن المآخذ التي يمكن ضمها أيضا لملف هذه السينما، عدم وجود التخصص، فالمخرج هو المصور والمونتير والمؤلف وأشياء أخرى كثيرة، وهذا اعتبره أمرا مشوشا، وكأن هناك شخصا يحمل (عشر بطيخات بيد واحدة)، فتصور كيف يحملها ويسير بها، وإذا أردنا تلخيص شكل المنافسة في الفيلم الطويل، أعود وأقول ان السيناريو هو الأساس، فهذا الاختيار هو الذي نستطيع أن نشم منه رائحة البشر الذين يعيشون في هذه المنطقة، أما تطبيق استعارات متنافرة مع هذا المجتمع، فتحتاج إلى وقفة وتصحيح مسار، وان يولوه اهتماما كبيرا من خلال الاستعانة بخبرات أخرى من مصر أو سوريا أو المغرب العربي في كتابة النصوص السينمائية، ما يدفع بهذه السينما إلى الأمام.
وماذا عن مسابقة الأفلام الروائية القصيرة؟
كانت هناك منافسة كبيرة جدا بين أفلامها، وفاقت الوثائقية والطويلة، ويعود ذلك ربما إلى النصوص المختارة، وهذا ما يدفعني إلى السؤال، هل سيكون الفائز بهذه المسابقة على نفس المستوى لو أنجز فيلما طويلا؟.
وكيف كانت مسابقة الأفلام الوثائقية؟
كانت فيها منافسات حقيقية، والقوة شملت هذا الجزء بشقيه الطويل والقصير والأفلام الروائية القصيرة، بخلاف أفلام الطلبة، وكانت هناك متعة في معرفة من سيفوز وما هو ترتيبه، وكثير من الوثائقي كان جيدا، وعبر عن الواقع بشكل حار رائع، وهي في موقع أهم بكثير من الأفلام الطويلة.
وماذا عن الجوائز الخاصة بلجنة التحكيم؟
أقول اننا مارسنا عملنا دون تدخل من أي شخص، ولم نتعرض لأي ضغوط من قبل إدارة المهرجان، والجوائز التي سترونها اليوم، ستوافقوننا عليها، وأعطينا شهادات تقدير لأشخاص ووجهات، وسترون أننا نلفت الانتباه من خلالها إلى مبدعين آخرين داخل وخارج الفيلم، وهم يستحقون أيضا التقدير.
عندما عرض عليك أن ترأس لجنة التحكيم في مهرجان الخليج السينمائي، هل ترددت من التجربة، خصوصا أن السينما الخليجية مازالت ناشئة؟
لم أتردد نهائيا، بل قلت لي الشرف أن أتعرف على هذه السينما، وخرجت بالنتيجة التي ذكرتها سابقا، وهي بالفعل فاجأتني بكل معانيها، وكانت تجربة تلمست من خلالها نقاط القوة والضعف في السينما الخليجية، وهذا من واجبي، والفيلم هو فيلم في النهاية سواء كان سورياً أو مصريا أو خليجيا، وعلى العكس لو طلبت للجنة تحكيم في مصر، قد أتردد لأنني أعرف قيمة السينما المصرية، لكنني بالنسبة للأفلام الخليجية تحديدا كان لدي الفضول والحب لأتعرف عليها، وكانت فرصة كبيرة خلال خمسة أيام أن أرى 75 فيلما راصدة كما سألت لتجارب تبحث عن نقطة بداية.
عندما ترأس المخرج المصري داوود عبد السيد رئاسة لجنة التحكيم لمهرجان الخليج في دورته الأولى العام الماضي، قال البعض انه يغازل رأس المال الخليجي لتمويل فيلمه «رسائل البحر»، ألم تخش أن تتعرض لسهام الشائعات في انك جئت باحثا عن تمويل لأفلامك؟
على الإطلاق، أتيت لأترأس لجنة التحكيم فقط، والفرص بالنسبة لي موجودة في سوريا، واعتذر عن مشاريع تقدم إلي نتيجة ضيق وقتي وانشغالي والجميع يعرف ذلك، وإذا كان هناك مستقبلا فكرة إنتاج أو إخراج فيلم بمكان ما في هذه المنطقة، يلامس تطلعاتي وتوجهاتي فهذا أمر وارد، وهناك بالفعل جهات تحدثت معي من دورة مهرجان دبي السينمائي الماضية لصناعة فيلم معي، وأعطيت أمرا لبعض أصدقائي من كتاب السيناريو للخوض في هذا المجال.
ما هو جديد هذا السيناريو، وكيف ينفذ، وكم يحتاج من الوقت، وما هي جدية هذا العمل؟
هذا الفيلم سيتم تنفيذه بعد أكثر من سنة ونصف، وذلك لانشغالي بفيلمين، الأول مع الأوربت بشراكة مع هيثم حقي المدير الإقليمي في دمشق، والثاني أقوم فيه بالدور الرئيسي من خلال فيلم «مرة أخرى» للمخرج جود سعيد، وهو تجربته الأولى وسأدخله بعد أسبوع، وهناك مشاريع أخرى،.
وفي انتظار لانتهاء سيناريو الفيلم الجديد الذي يعتبر امتدادا لروح عبد اللطيف عبد الحميد، وقد وضعت مخططه معتمدا على قصة حب تدور أحداثها بين دمشق ودبي في آن واحد، وليس العبرة بكم المشاهد المصورة هنا أو هناك، ولن يتم استخدام دبي لوكيشن تصوير بقدر تأثيرها في فكرة العمل، ومن المبكر الحديث الآن عن هذه التجربة.
عندما يكون هذا العمل الجديد جاهزا، هل ستحرص على عرضه في مهرجان دمشق وأنت المدلل بعرض أفلامك سنويا فيه أم مهرجان دبي السينمائي؟
أولا سأوضح أمرا بخصوص كوني مدللا كما يروج البعض، وأقول للمرة الأولى، ان أفلامي كانت حالة إسعافية لمهرجان دمشق السينمائي، من فيلم «رسائل شفهية» إلى «صعود المطر»، و«نسيم الروح»، و«قمران وزيتونة»، وصولا إلى «خارج التغطية»، كل هذه الأفلام كانت إنقاذا للمشاركة السورية في المهرجان، الأولوية ليست لي بل طلب مني واعتقد أن هناك فرقا بين المعنيين، ولا أربط الفيلم الجديد بأي مهرجان، بل بانتهاء العمل فيه وجاهزيته لأي من المهرجانين.
دبي ـ أسامة عسل


