الصورة ثابتة أو متحركة، هي الواقع دون رتوش وتزييف، توثق للحدث وتبرهن شفافية التاريخ وصحته خصوصا إن كانت محايدة، هي ذلك الاختراع الصناعي، الكيميائي والفيزيائي والالكتروني والرقمي، ساهمت بشكل كبير في إسعاد البشرية وأيضا في تعاستها، قدمت الجميل المبهر من طبيعة خلابة ساحرة.

كما أدمت القلوب بمناظر البؤس والشقاء وأهوال الحروب والصراعات الدامية، كرهها البعض وعشقها آخرون، ومنهم البحريني خليفة شاهين الذي عاش خمسين عاما مفتونا بها، مرتحلا في أعماقها، باحثا عن معناها، وفي لقاء مع «البيان» على هامش الدورة الثانية لمهرجان الخليج السينمائي، حيث يتم تكريمه لمسيرته كأحد رواد السينما في المنطقة، نقدم هذا الحوار في شكل صور متتالية، نستعيد من خلالها ذكرياته، نقدمها للأجيال في لقطات ليس من المهم ترتيبها، بقدر أن تكون معبرة وعاكسة لخبرات من وضعوا اللبنات الأولى لصناعة السينما الخليجية.ذاكرة تاريخ خليفة شاهين المصور والمخرج السينمائي، ولد عام 1939 وينتمي اسمه للرعيل الأول ممن جاءت على أيديهم أولى المحاولات السينمائية البحرينية، بل ربما كان هو الرعيل الأول الذي حُفر اسمه في ذاكرة البحرين ليصبح تاريخه، وجها من أوجه تاريخ بلاده، السينما في البحرين، على الأقل بسبب تجربة فيلم «حمد والقراصنة» التي كان بطلها، تمثيلاً وإخراجاً وفكرة وجهوداً جبارة مع شركة «والت ديزني».

وهو أول مصور سينمائي تم استثمار أهم انجازاته في خلق صناعة سينمائية، تعلم بنفسه كيفية استخدام معدات الإنتاج عندما كان يعمل في قسم السينما بشركة البحرين للنفط (بابكو) عام 1957. ودرس خلال الفترة من 1961 ـ 1964 في كلية إلينغ للسينما في المملكة المتحدة، وعاد ليخرج أول جريدة سينمائية (شريط أنباء البحرين) عام 1966.

شكل فيلمه «مرح في كل لبنان» (1971) نقطة تحول في مسيرته السينمائية. شارك في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية، وحاز على جوائز عديدة، من بينها جائزة أفضل فيلم وثائقي من رئيس وزراء الهند عن فيلم «صور جزيرة ـ 1975»، وجائزة من السيدة الأولى في الفلبين في عام 1983 عن فيلم «أناس في الأفق».

دراسة وخبرة

يعترف بأن الخبرة لديه أهم من الدراسة، يشترط لاكتسابها المعرفة والإلمام بالأسس والمبادئ، وساعده في ذلك سينمائي انجليزي علمه فن التصوير، حيث جرب وفشل وتعلم من أخطائه، وأصقل موهبته، فكان (شريط من البحرين) الذي أرشف من خلاله أهم الأحداث والانجازات، مستخدما معرفته الفنية في تصوير لقطات وجمعها فنيا مع بعض، دون أن يكون هناك نص مكتوب أو سيناريو يستطيع مساعدته في رصد ما يراه ويلاحقه بالكاميرا، من نشاطات ثقافية وتراثية ورياضية أو حتى مدرسية، وجاءت أفلامه الوثائقية بعد ذلك معتمدة على بحوث وسيناريوهات كتبها محترفون .

حمد والقراصنة

بدأ مع والت ديزني من خلال سيناريو صغير تحت عنوان «صبي من البحرين»، تحول بعد ذلك إلى فيلم طويل «حمد والقراصنة»، حيث تم الاحتفاظ ببداية ونهاية النص الأصلي، وأضيف في الوسط أحداث جديدة، كان مخرج الفيلم رسام كاريكاتير ولديه رسومات تحدد تصوير لقطة بأخرى، سواء على سطح البحر وداخل أعماقه، أو على البر أيضا في دبي والربع الخالي، وأعطى ذلك زخما وعمقا للموضوع مع تكنيكه الفني، ما ساعد على نجاحه، واعتباره من العلامات المهمة في تأريخ التجارب السينمائية بالخليج.

اختصار المراحل

في عام 1971 أنهى رحلة طويلة مع العمل كوظيفة، وأسس شركة «الصقر» التي نفذ من خلالها 20 فيلما وثائقيا، وفي عام 2006 أنشأ (مؤسسة خليفة شاهين للتصوير)، التي أنتجت 3 أفلام وثائقية، معتبرا أن حركة صناعة الأفلام الآن أسرع من الماضي، خصوصا مع التقنيات الحديثة وأعمال الكمبيوتر التي لا يجيدها، والتي في رأيه تغري الجيل الحالي، باختصار المراحل، لذا فإن نصيحته لجيل الشباب: «ألا تستعجلوا، بل أعطوا كل مرحلة حقها، ابدؤوا بدراسة التصوير الفوتوغرافي، ثم التصوير السينمائي، ومن ثم الإنتاج وبعد ذلك الانتقال إلى الإخراج».

الماضي والحاضر

التجارب السينمائية من وجهة نظر خليفة شاهين كانت في الماضي قليلة وضئيلة، وجاءت بعد دراسة وتمعن في المجال، وبخطوات متدرجة، أما تجارب اليوم فهي متسرعة ومتعجلة.

وبالتالي تكون نتائجها صادمة، وهذه المسألة واضحة من خلال المعروض حاليا من أعمال في المهرجان، فهو يرى أن الأفلام قديما كانت بحثا عن الفن، أما الآن فالجميع يسعى لوضع اسمه على لافتة الإخراج، كما يؤكد أن تصوير أفلام الستينات والسبعينات أفضل كثيرا مما تقدمه الأجيال الحالية، التي لا تتواصل مع خبرات السابقين ولا تسأل ولا تدرس، بل تعتمد على المرئي تلفزيونيا، أو ما يقدمه الغرب سينمائياً، وهو لا يناسب السينما الخليجية التي يريدها الجميع في المستقبل.

لفتة رائعة

وعن تكريم مهرجان الخليج السينمائي له ولآخرين، عبر ببساطته الواضحة في حديثه وملامحه، عن امتنانه لهذه اللفتة الرائعة، التي وثقت ريادته، معتزا بالأجواء الممتعة والتواصل مع الآخرين، بعد فترة حسب ما قال ـ كان منسيا فيها ـ وغير معروف خليجيا وعربيا ودوليا، وجاء المهرجان الذي يراه أجمل من الأفلام التي تعرض فيه، لينشر وعيا وثقافة سينمائية لدى الجمهور وأصحاب تلك الأفلام.

الصورة السينمائية

ذكّر خليفة شاهين بكلمة الفنان السوري العالمي مصطفى العقاد بأن ثمن طائرة واحدة يمكن أن يستثمر لإنتاج فيلم قادر على تغيير صورة العرب لدى الغرب، تلك الصورة التي استخدمها الصهاينة للسخرية من المسلمين ووصفهم بالتخلف والإرهاب، في حين أهملتها رؤوس الأموال العربية واعتبروها صناعة محرمة وغير مربحة، رغم كونها وسيلة قوية ومؤثرة على الفكر والوجدان، وطالب بضرورة وجود هذه الصناعة في الخليج، مع الاهتمام بالصورة السينمائية، لأنها الحكم والفصل الذي لا يقبل التزوير أو اللبس، والتي لها دائما وقع مطبوع في ذاكرة الإنسان.

حوار ـ أسامة عسل