يقول الفيلسوف الأميركي مير أبرامز الجماليات التي تنتجها الآلة، كاميرا التصوير أو الفيديو أو السينما أو الموسيقى، لا تخضع الى تاريخ الآلة التي تنتجها فقط، وإنما إلى تاريخ الفن والإنتاج الانساني بمدلولاته كافة. تتذكر كلمات أبرامز وأنت تتأمل في الصور الفوتوغرافية التي عرضتها المصورة السويسرية كورين فيوني، في غاليري أمتي كورتير' في قرية بوابة مركز دبي المالي العالمي. صور تحرّض على السؤال الجدلي عن العلاقة بين التكنولوجيا والفن، وما إذا كان تقنية الكومبيوتر بوسعها أن تمارس نديتها في مواجهة ريشة الفنان.

والأهم من ذلك كله السؤال عما إذا كان من اللائق، بعد «ازدراء» تجربة التصوير الرقمي، بوصفه أداة لابتذال الفن عبر تعميمه وجعله مشاعا في أيادي الهواة. استفزت فيوني سلوك السائحين، بوصفه سلوكا يحتمل من التسيير ولحاق الركب الجماعي، بقدر ما يحتمل من معاني فرحة الترحال وبهجة الاكتشاف، حيث يقطع البشر آلاف الأميال، متكبدين المجهود البدني والمادي من أجل الوقوف أمام تمثال أو جسر أو صرح تاريخي أو معاصر، وأخذ صورة. لماذا يفعلون ذلك؟ لماذا يريد أحدنا أن يكون في الصورة ذاتها التي يقتنيها الملايين من البشر؟، تسأل محاولة التحريض على الاحتمالات: لكي يقال: أنا أيضا كنت هناك.. أو يكون جزءا من حالة البريق التي تغلف تلك المعالم بوصفها معالم ذات حكايات أو أساطير أو أحداث تاريخية مؤثرة. الساحة الحمراء في برلين، حرم الكعبة في مكة، فندق برج العرب، علامة حداثة دبي ومظهر رفاهيتها، جسور نيويورك واستراليا، مبنى التلفزيون في برلين وبوابتها..

والكثير من الصور الرقمية التي قامت المصورة بتنزيلها عبر الانترنت يضع المسافرون صورا ليومياتهم على الشبكة بهدف مشاركة هذه اليوميات مع أكبر قدر ممكن من الناس، لأصدقائهم وحتى المجهولين لهم. استخدمت فيوني تقنية الكومبيوتر من أجل دمج أكثر من لقطة للمعلم ذاته مصوّرة بعدسة أناس مختلفين، لا تربطهم علاقة قرابة أو صلة اثنية أو ثقافية: قمت بدمج مائة صورة تمثل لقطة واحدة لتمثال او ساحة. صورة لسائح صيني وأخرى لهندي وأخرى قد تكون لعربي وهكذا.. في المحصلة لدينا صورة واحدة كانت، قبل مزجها، أكثر من مئة. المحصلة لقطات فنية لمعالم تقليدية.

يؤدي تكثيف الصورة، بهذا المعنى التقني، الى اضفاء صبغة فنية تبتعد عن الفوتوغراف وتدخل الى فضاءات الرسم التجريبي. ثمة أشباح غير مرئية في سماء برج العرب أو الكعبة. بقايا غائمة من مباني أو أشخاص أو أشياء. ربما سيارات تمر أو اعلانات تطير في السماء، أو جموع بشرية. اختارت الفنانة صورة بطلة من بين مئات اللقطات، وجعلتها الأوضح، بينما محت ملامح الصور المتبقية، تاركة ما يشبه الأثر من كل واحدة منها.

الظلال لا تتشير على تكثيف المكان فقط، وإنما الوقت، الوقت المتكاثف حول مجسم واحد. تبقى هذه الأمكنة، ثابتة في مكانها، وفي الوقت، بينما يمر الناس، ومعهم يمر الوقت في ثباته ومروره، ارادت الفنانة السويسرية، التي تعرض لأول مرة في الشرق الأوسط، أن تلتقط شيئا ما لها احساس الإنسان. لعلها السعادة الوهمية كما الصورة. جدير بالذكر أن المعرض يستمر حتى 4 مايو المقبل.

دبي- إبراهيم توتونجي