ثمة دول عديدة احتفت بالصورة السينمائية، وحاولت من خلال رسالة الفن الحضارية إبراز تراثها وثقافتها، وأن تفعل وتنبه على أهمية صون تاريخها وحضارتها والحفاظ على تقاليدها العريقة، وأثبتت الصورة السينمائية بمختلف أشكالها، أنها القادرة دوماً على حمل رسائل حضارية وإنسانية بالغة الأهمية. وللصورة السينمائية سحر مدهش.

فهي تختزل الكلمات والمعاني، وتملك الجماليات الجاذبة التي تستطيع توصيل أي رسالة إلى أوسع جمهور، وقد تكون الأكثر تأثيرا وصمودا عبر الزمن، وتأتي أفلام الدورة الثانية لمهرجان الخليج السينمائي أعمق قربا والتصاقا بملامح الإنسان وهمومه وآماله في منطقتنا، وعاكسة لثقافة وهوية حياة هذا المجتمع، الذي يطمح الجميع فيه إلى التواصل مع صورة العالم، لتأكيد الدور الخليجي في صناعة الثقافة الإنسانية.

ومما لا شك فيه، أن برامج المهرجان المتعددة تقدم دورا حيويا وملموسا في تحفيز وتفعيل قطاع صناعة الأفلام الخليجية التي ما زالت في مرحلة البدايات الطموحة، حيث تلعب دوراً محورياً في رسم ملامح المشهد الثقافي والفني.

وبصفتها من وسائط التعبير الفني، تتيح هذه الأفلام تعزيز التواصل بين البشر متخطية حواجز الثقافة والعمر، كما تملك من خلال مفردات صورتها المقدرة على سبر أعماق التجارب الإنسانية بكافة أبعادها وبأسلوب مشوق.

في مهرجان هذا العام 109 أفلام خليجية، تشكل حركة فريدة ـ كما قال مديره مسعود أمر الله ـ تساهم في توضيح صورة آتية من عمق المنطقة، فهذا النسيج المتجانس كثيراً والمتباين أحياناً يوفر خامة طازجة للاكتشاف، من حيث النوع: طويل وقصير، والتصنيف: روائي وتحريك وتجريب ووثائقي.

ومن حيث أيضاً الاستمرارية: مخرجون بأفلام جديدة، وآخرون في تجاربهم الأولى، الحرفية: طلبة وهواة ومحترفين، ومفردات أخرى مهمة مثل، الإنتاج: مشترك ومنفرد، الجغرافيا: غالبية أصحاب هذه الأعمال يعيشون في منطقة الخليج وبعضهم خارجها، الموضوع: سياسي واجتماعي وإنساني، التناول: قديم ومعاصر. كل هذه العناصر دلالات واضحة على حركة سينمائية تتشكل، وتجتمع في بوتقة هذا المهرجان، وتتيح للمتابع والمهتم فرصة الاكتشاف، والنقد، والتأريخ.

بالفعل يأتي مهرجان الخليج السينمائي كنتيجة طبيعية لهذه الحركة، واستكمالاً لما حققته دبي من سمعة دولية كوجهة سينمائية، ورائدة من رواد المبادرات في هذا المجال مثل: مهرجان دبي السينمائي، ومدينة دبي للاستوديوهات. وما نشاهده اليوم من أفلام هو مفاتيح لأبواب كثيرة، حيث يأتي العشق للصورة والوطن وللروح ولنا أيضاً، وما المهرجان بالنسبة لها إلا بمثابة المختبر للبحث وللتجريب والتأويل، من خلال مشاريع تزداد عاماً بعد آخر، لتكون أكثر عمقاً وتفتحاً على كل ألوان الصورة، ومشاربها المتعددة، والأجمل هو في تكاثرها واستمرارية تواجدها التي أصبحت رافداً مهماً لرصد التجربة في منطقة الخليج العربي.

oelsyad@albayan.ae