بلا شك فإن طبيعة الظروف الحياتية والبيئية من أكثر العوامل التي تساهم في بناء الشخصية، وفي أحيان كثيرة تكون سببا في تعميق الإرادة وتصليبها لمواجهة تحديات الحياة المختلفة، فالرجال لا يقاسون بعظمة هاماتهم، إنما بمقدار ما فيهم من عزة وثقة بالنفس، تغنيهم عن الآخرين.

وقد يكون لحديث الذكريات طعم خاص مع البعض، فهو يفتح أبواب الماضي الدفين في ذاكرة لم تمت بعد، هذا الحديث فتحناه مع سيف محمد المعيلي، رئيس قسم المراسم في الديوان الأميري بالفجيرة، والذي فضل أن يبدأه من لحظات النشأة والميلاد، حيث قال: «ولدت وترعرعت في منطقة الغرفة بالفجيرة، ودرست في سيف الدولة إحدى أقدم مدارس الإمارة حينها كانت تقع في منطقة مريشيد، وبعد الصف الثالث انتقلت إلى مدرسة سكمكم وما لبثت أن عدت إلى الأولى وكانت قد ضمت المرحلتين الإعدادية والثانوية، وانتقلت إلى منطقة مضب.في تلك الأيام كانت المدرسة تضم عددا كبيرا من الطلبة.

وكان المنهاج السائد هو الكويتي، حينها كان إيقاع المرحلة الإعدادية رنانا، وكي نتخرج منها كان علينا اجتياز امتحان «المترك» الذي يشبه الثانوية في أيامنا هذه، ما جعله يفرض نوعا من المنافسة بين الطلبة للحصول على معدلات عالية، فاجتياز هذه المرحلة يعني إمكانية الحصول على وظيفة.ورغم أن بيتي لم يكن يبتعد كثيرا عن المدرسة، إلا أنني كنت اذهب إليها باستخدام الباص الذي لم تكن كراسيه تكفي لجميع الطلبة». خبرات في بيت واحد لقد كان المعيلي كبقية أقرانه الذين عاشوا زمن شظف العيش والبساطة، وممن عملوا في عرض البحر والأرض، حينها كانت البلاد بسيطة تخلو من صراع الأبراج، وتتشح برداء الهدوء، يقول المعيلي: «عاصرت فترة بيوت سعف النخيل، وكانت تتكون من غرفة أو اثنتان بحد أقصى، كما عاصرت تلك البيوت التي يكون نصفها من الطين ويوضع عليها السعف وتسمى «الكارين».

وعادة ما كانت تبنى بالقرب من المزارع، ولكن بعد إنشاء الاتحاد بدأت الدولة ببناء البيوت الشعبية وتوزعها على المواطنين، ورغم ذلك فقد كانت الفجيرة بسيطة بمبانيها وبنيتها التحتية ومواصلاتها وجميع مرافقها، وبفضل الاتحاد والشيوخ وصلت إلى مرحلة متطورة جدا، وأذكر في ذلك الوقت إنه لم يكن لدينا سوى مستشفى واحد وهو الإيراني، وكذلك المدارس كان عددها قليل، ولذلك كانت أعداد الطلبة فيها عالية».

يقال إن الحياة تعلم الإنسان كثيرا، وان العيش من كبار السن يكسب الخبرة في التعامل وكل شيء، فإلى أي حد تأثر المعيلي بوالده، حول ذلك يقول: « كان والدي يعمل مزارعا، ولكنه المرض أجبره على التقاعد، ونتيجة لذلك انضممنا لبرنامج الشؤون الاجتماعية، حينها بدأت أدرك بأن الظروف التي يمر بها الإنسان قد تغير بوصلة حياته.

ورغم مرض والدي إلا انه كان قدوتنا في حياته، وتميز بصبره وبحب أبناء الحي له، وبطيبته مع الناس ومواقفه معهم، وهو ما جمع أهل الحي حوله بعد ابتلاءه بالمرض، وهو ما جمع خبرات الحي جميعها في بيتنا، وقد استفدنا كثيرا من حكاياتهم وتجاربهم وخبراتهم كثيرا».

رحلة العمل

لم يكن يدرك المعيلي ما الذي يخبئه القدر له بعد وفاة والده الذي رحل عنهم بعد صراعه مع المرض، وهنا يقول: «بعد انتهائي من الإعدادية توقفت عن الدراسة وذلك لظروف قاهرة، فأخي الأكبر انضم للكلية العسكرية، وسافر إلى بريطانيا في دورة تدريبية.

وذلك قبل انتهائي من الثانوية، وبعد وفاة والدي أصبحت مكلفاً برعاية الأسرة فاضطررت لقطع دراستي والالتحاق بالقوات المسلحة في أبو ظبي، حيث استمر عملي فيها لمدة ثلاث سنوات من 1986 وحتى 1989، وكانت الطريق إلى أبوظبي صعبة وبدون إضاءة، ما جعلها أشبه برحلة عذاب مدتها ثلاث ساعات ونصف، ونتيجة لعدم امتلاكي لسيارة خاصة كنت وعددا من زملائي نتشارك في سيارة واحدة، وحتى أتخلص من هذه المعاناة تركت العمل في أبوظبي وانتقلت إلى دبي لأعمل في المجال ذاته.

وهناك عملت لعامين، ولكن في أحد الأيام وأثناء عودتي إلى الفجيرة تعرضت لحادث سير أدخلني في رحلة علاج طويلة استمرت لمدة عامين، إلا أنني وبفضل الله تمكنت من الخروج من حالة شبه الشلل التي أصابتني نتيجة الحادث، وأعتقد أن ما ساعدني في ذلك هو طبيعة الحياة والبيئة التي نشأت فيها، وبعد ذلك حصلت على تقاعد مبكر من القوات المسلحة في دبي».

موظف في الديوان

يقول المعيلي إن الفترة التي فصلته بين التقاعد وعمله في الديوان لم تتجاوز الشهر، حيث بدأ عمله موظفا للعلاقات العامة، واستمر فيها لمدة ستة أشهر، لينتقل بعدها للعمل في مكتب المرحوم محمد عزمي الحرباوي، مدير الديوان الأميري سابقا، والذي بادر إلى تعينه سكرتيرا لمدير الديوان، وبقي في هذا المنصب بعد تولي محمد سعيد الظنحاني لإدارة الديوان الأميري لمدة ستة أشهر، ليلتحق بعد ذلك في إدارة التشريفات ليعمل سكرتيرا لمدير الإدارة، واستمر في ذلك حتى عام 2004، حيث رقي إلى منصب رئيس قسم المراسم.

يقول المعيلي: لقد وفر لي علمي في قسم المراسم فرصة الاحتكاك مع شخصيات عديدة، وتعلمت من عملي أن حياة البروتوكول والتشريفات ليست عادية بسبب احتكاكي مع شخصيات لها وضعها الدبلوماسي وبالتالي فكل حركة تصبح محسوبة فيها»، ويتابع: «بجانب عملي في الديوان كنت أقوم بعديد المهام مثل مفوضية كشافة الفجيرة، التي كان لها دور مهم في صقل حياتي العملية وحتى مهاراتي، وبقيت فيها حتى عام 2006 .

وقد شغلت فيها منصب نائب رئيس مجلس الإدارة، كما عملت أيضا أمين سر مسرح الفجيرة القومي لمدة أربع سنوات، وهذا أعطاني الفرصة للاختلاط مع شخصيات وعقليات مختلفة وأكسبتني خبرة جديدة وهو ما انعكس ايجابيا على عملي في إدارة التشريفات، وإلى جانب ذلك فقد فأنا عضو متطوع دائم في هيئة الشباب والرياضة، وهذا أعطاني خبرات جديدة وساهمت في صقل شخصيتي وتعاملي مع الناس، كما اشغل أيضا مشرف عام نادي الفجيرة العلمي».

دورات تدريبية

ومنذ ولوجه إلى أروقة الديوان الأميري عمل المعيلي على تطوير نفسه وإغناء معرفته من خلال الحصول على دورات تدريبية، وهو الآن حاصل على دبلومين في إدارة المراسيم.

وفي النهاية يشير المعيلي الذي يمتلك من الدنيا خمسة أبناء إلى انه طالما حلم بأن يكون طيارا، واستطاع أن يحقق حلمه في أخيه الأصغر الذي أصبح حاليا برتبة نقيب طيار ومسؤول عن ركن تدريب على جهاز السيموليتر.

غسان خروب