يحدث ذلك.. أن ترتدي الصحراء في الخليج ثياباً خضراء، وتزهر قفارها توليباً ونرجساً، ويصبح قائظ ليلها نيساني النسمات، وينقلب الرمل المتوهج لهيبا، إلى ثلج متناثر حول وجهي إذا ما قُلت مرحبا حبيبتي..
يحدث.. أن يتحول ليل بغداد القاتم إلى فجر طفولي الملامح بابتسامة بيضاء، ويتمايل الزهر حول روحي، ويمر النهار المتفجر دماً فوق أجساد الساعات كما النسائم لينبت الياسمين في فم الأحزان إذا ما أتى صوتك إلى مسامعي ذات يوم.
ويحدث.. أن تأتي طفولتي التي تركتها قبل ثلاثين عاما إلى كفي، وتغفوا بشقاوة كل الصغار الذين أنهكهم اللعب الطويل فوق رؤوس الأشجار الباسقة في عيونهم، وهم يطاردون النجوم التي فوق البيت.
ويحدث.. أن تمتنع الأزهار عن تعطير اللقاء في أماسي العاشقين، وتفضل الموت في زوايا مظلمة أو تدعي التعب، من كلماتهم المصابة بالتخمة، ومواعيدهم السرية، وذلك لأنك لم تمر في زقاق ذاكرتها هذا العام.
ويحدث.. أن يسكن البحر في عيني، وتتوقف السفن وهي محملة بصوتك فتصطدم بأحضاني، لكن قلبك يغير اتجاه دفتها، فموانئ أشواقي ما عادت تحتمل كل هذا الحب الباقي من ذكرياتنا معا.
ويحدث.. أن تأتي العصافير لتبني أعشاشها الهانئة في فمي، لان اسمك مستوحى من الرزق الوفير والكرم الواسع، العصافير ما عادت تخاف تقلبات الطقس المزعج لأنك في لحظة حب لفظت اسمي بطريقة مختلفة فاطمأنت!
ويحدث.. أن يتحول رحيلك المفاجئ إلى بركان يتفجر من فوهات أعصابي، فتنهمر حمم احتمالي الصمت على بيوت الكلمات، وتنطلق صغار أشواقي وكهولة انتظاري، وشباب حبي، ويتساوى ليل الفراق بنهار الأمل، وتصبح الحكاية التي كانت هنا، على ارض مجهولة لآلاف القصائد الشعرية.
ويحدث.. أن أكون حكاية النوم التي تحكيها الأمهات للصغار، فيسأل الصغار لماذا رحل الأمير وتركني في عربة الأحلام وحدي أغادر المحطات عن طريق النجوم، وكلما وصلت، تكون قد رحلت، وهكذا أبقى أنا الحكاية التي لا تنتهي، ويكبر الصغار وتشيخ الأمهات، ويمر العمر وأبقى أنا بين النجوم في عيون الصغار، وتبقى أنت أميري المجهول!
يحدث ذلك.. لمجرد الشعور بأنك سوف تغادرني ذات يوم!
ويحدث.. أن يهرب مني ذات مساء دمي، فيسقي الأزهار التي تحملها لغيري، بينما عطري يسيل على يديك؟ يتذكر اسمك؟. فيخفق قلبه وتنطلق نظراته بحنان وشوق، تفتش عني ولا تجد على يديك سوى بقايا دمي، لأنني ما عدت هناك.
يحدث.. أن امسك قلمي لأكتب انتحاري في بغداد، أو عن إغلاق المعابر في غزة الجريحة، أو عن حدث في جزر مجهولة بعيدة، فأجدني أكتبك، واخبر عنك الدنيا، لقد أصبحت أشهر رجل، فاسمك رقم هاتفك أو لون عينيك حتى خط سيرك اليومي كل ذلك لم يعد سرا؟!
ويحدث أن أشفق على نفسي بأن جعلتك من أساسيات الوجود، إذ لا دقائق عمري إلا بك، ولا فصول بسنواتي من دونك، فهل ما يحدث طبيعي؟
لست ادري لكنني على يقين أن ذلك سيحدث إن لم يكن فعلاً قد حدث!
ويحدث.. أن يتوقف عمري على سن محدد هو ذلك العمر الذي التقيتك به، وأصبح بك معجزة طبية غير مسبوقة.. سيحدث ذلك لأنني أخيرا وجدتك!
ويحدث.. أن أسير في طرقات اجهلها، لم أسر بها حتى في خيالي فأجدها توصلني إلى باب قلبك.. استغرب أني قطعت المسافات ووصلت إليك في إغفاءة من العمر.
سيحدث ذلك وكل ذلك كلما اشتقت إليك، فما أطول مواسم اشتياقي.
أسماء السامرائي ـ دبي