«Al Salam 3lekoum»، قد تبدو هذه الكلمة غريبة نوعا ما، ليس على اللغة الانجليزية فقط وإنما على اللغة العربية أيضا، فهي تعني «السلام عليكم»، وهي واحدة من الكلمات التي دأب العديد من الشبان العرب على استخدامها في المنتديات وبرامج المحادثة والرسائل النصية القصيرة، وأصبحت بالنسبة لهم لغة سهلة التعامل فهي تجمع ما بين الأحرف اللاتينية والأرقام وتكتب من الشمال إلى اليمين، ويستخدمونها للتعبير عما بداخلهم.
آراء بعض مستخدمي هذه اللغة كانت متباينة وغريبة في الوقت ذاته، فمنهم من يستعملها حتى يتمكن من التعرف على مواضع الحروف الانجليزية على لوحة مفاتيح الكمبيوتر، وبالتالي ستكون سرعته في الكتابة الانجليزية أثناء استخدامه لبرامج الحوار أو الكمبيوتر مضاعفة، وهناك من يعتبرها نوعا من «الرقي». وبالتالي تكون نظرة الشباب لمن لا يتقن هذه اللغة بأنه إنسان عادي ولم يتسلق سلم الرقي بعد، وآخرون يستخدمونها لمجاراة أصدقائهم الذين يستخدمونها بشكل دائم وحتى لا يكون شاذا عنهم، وهناك من يستخدمها للتواصل مع أصدقائه الذين لا يستخدمون في محادثاتهم أو رسائلهم سوى هذه اللغة.وإذا كانت فعلا هذه هي الأسباب التي تدعو الشباب لاستخدام لغتهم الهجينة فإنها لا ترقى لأن تكون سبباً مقنعاً للعدول عن اللغة العربية.
علما بأن كثيراً منهم لا يتقن العربية أو الانجليزية سواء في حديثهم أو حتى كتابتهم، ولذلك أصبحوا مضطرين لاستخدام لغة تدمج بين الاثنتين معا للخروج من مأزقهم.وفي الوقت الذي يتجه فيه شبابنا نحو لغة مدمجة لا هي عربية ولا هي انجليزية، تخرج عديد الدعوات في العالم التي تحذر من صعود الانجليزية على حساب اللغات الأخرى، ولنا في معركة الأستاذ كلود هاجيج، عالم الالسنيات الفرنسي والتي رفض فيها صعود وسيطرة اللغة الانجليزية في بلده على حساب لغته الفرنسية الأم.دعوات هاجيج تذكرنا بضرورة الحفاظ على لغتنا العربية وتفعيل دورها ليس على مستوى بيوتنا وحسب وإنما على مستوى الدراسات العلمية والمقررات المدرسية والجامعية كونها تعتبر المؤسسات الأولى التي تحتضن الأجيال الحديثة، حتى لا يكون مصيرها كاللغة التركية التي تحولت حروفها إلى اللاتينية بعد أن كانت عربية خالصة، وبالتالي تضيع معها الهوية.
العصرنة تحاصر العربية
وقال الكاتب الصحفي علي عبيد: «تفرض طبيعة كل عصر شكل الأدوات التي يستخدمها أفراده في التعبير عن أنفسهم وإيصال رسائلهم لمن حولهم، ولأن اللغة واحدة من هذه الأدوات، بل أهم أدوات التعبير وأكثرها مقدرة على التوصيل والتواصل بين البشر، فإنها تصبح هي الأخرى خاضعة لتطور وسائل العصر والمحيط الذي يتم تداولها فيه».
ويضيف: «لأن اللغة العربية في عصرنا هذا محاصرة من قبل الكثير من اللغات التي تنافسها على مكانتها بين أفرادها، ولأن طبيعة المجتمع في الإمارات على وجه الخصوص يفرض واقعا فريدا تتعدد فيه اللغات والجنسيات والثقافات، فإن اللغة العربية فيه تتعرض لغزو من قبل الإنجليزية على وجه الخصوص.
والذي أخذ أشكالا عدة بدءاً من التعليم، وانتهاء بسوق العمل الذي همش اللغة العربية على حساب الإنجليزية، مرورا بأسلوب التخاطب في جميع المرافق كالأسواق والفنادق والمراكز التجارية وما شابهها، ولأن الجيل الجديد من النشء معرض لأدوات العصر التي حدثت فيها نقلة نوعية من حيث تقنية التواصل، متمثلة في الهواتف المتحركة وأجهزة الحاسوب والانترنت.
فإن هذا الجيل الذي يعتبر نتاج المناهج التعليمية التي يدرسها والأدوات العصرية التي يستخدمها وجد نفسه منساقا إلى استخدام الحروف اللاتينية بدلا من العربية في الرسائل الهاتفية وبرامج الحوار عبر الانترنت إما لاعتقاده أنها تتوافق مع طبيعة هذه الأجهزة، أو لإحساسه بأنها أقدر على التعبير عما يريد قوله، أو لظنه أنها الوسيلة المثلى لتقريبه من الفكر الغربي الذي هو مستلب له».
اللغة تكريس للهوية
وعن رأيه في ذلك قال الشاعر عبد الله الهدية: «المسألة هنا لا تتعلق باللغة فقط إنما هي تكريس للهوية الوطنية، وهناك الكثير من الشعوب التي جاهدت لإحياء لغتها بعد اندثارها، بالمقابل هناك من غفلوا عن لغتهم فأضاعوها.
ورغم قناعتنا بأن العربية لغة مرنة وقادرة على استيعاب أي تطور، إلا أن التطور الذي يصيبها محدود جدا مقارنة مع عديد لغات العالم، ما خلق فجوة بين اللغة ومتطلبات العصر وبالطبع هذا ساهم في إعطاء لغات أخرى حق السيطرة على التكنولوجيا، وهو ما نلمسه في عديد مواقع الانترنت»، ويواصل: «بعيداً عن جلد الذات، بتقديري انه يجب أن نعذر هؤلاء الشباب فنحن لم نقدم لهم ما يحتاجونه في اللغة.
وهو ما وجههم للبحث عنه في لغات أخرى كالانجليزية التي ساهمنا نحن بتعميقها في نفوسهم عن طريق مدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا وحتى تعاملاتنا اليومية، رغم قدرة اللغة العربية على التكيف مع التكنولوجيا والتعليم وفيها قدر كبير من المصطلحات العلمية، ولنا في تجربة سوريا التي نجحت في تعليم التخصصات العلمية بالعربية خير مثال».
ويردف الهدية: «أعتقد أن مثل هذه اللغة لا تندرج تحت مسمى الموضة أو حتى التباهي، لأننا أعطينا للانجليزية دور الريادة ودعوناها للسيطرة علينا، ولم يعد بإمكان من لا يعرف الانجليزية الحصول على وظيفة، وهذا بحد ذاته أمر خطير يجب الانتباه عليه».
اللغة البديلة تفرض حضورها بين الشباب لسهولتها
لكن هل يمكن لنا اعتبار هذه اللغة إحدى إفرازات العولمة التي اجتاحت العالم في سنواته الأخيرة؟، وفي ذلك يقول الدكتور رضوان الدبسي: «أدرك تماماً بأن مثل هذه اللغة قد تكون أحد إفرازات العولمة وقد يكون ذلك نوعا من التمازج الحضاري الذي خلقته في العالم، ولكني على يقين تام انه عند مخاطبتنا للشباب سنجد إنهم يعترفون ولو في قرارة أنفسهم بأحقية اللغة العربية وبقدسيتها وبقدرتها على استيعاب الأخر، ورغم استخدامهم للغة الهجينة فهم غيورون على لغتهم العربية الأم ويدافعون عنها بكل قوتهم».
أما الشاعر عبد الله الهدية فقال: «أنا ضد مبدأ الغزو الفكري بالمطلق، ولكن أعتقد أن هناك من يخطط لطمس اللغة تحت ستار الانفتاح وتلاقح الحضارات.
وبلا شك فإننا مع الانفتاح على الآخر ولكن شريطة أن تكون تحت ستار لغتنا وهويتنا وقد سبق أن خرجت الكثير من هذه الدعوات التي ترحب بتحوير العربية إلى اللاتينية ولكن تم قتل جميع هذه المحاولات في مهدها، وهنا لا يجب أن نكتفي بادعاء أن لغتنا محفوظة وبالتالي فلن يمسها التحريف، إنما يجب علينا العمل على رفع مستواها وتقديمها على اللغات الأخرى وليس كما هو موجود حالياً في عالمنا العربي».
وفي حديثه يشير علي عبيد إلى أن «الدعوة لاستخدام الحروف اللاتينية بدلا من العربية ليست بالجديدة، فقد تبناها العديد من الكتاب أمثال سلامة موسى وعبد العزيز فهمي وآخرون في مراحل مختلفة من التاريخ، لدرجة أصبحت معها محل اهتمام وبحث بعض مجامع اللغة العربية.
ولكن لم يكتب النجاح لهذه الدعوات لأن اللغة العربية لا تعاني نقصا في حروفها ولا أدبياتها يستدعي هجر حروفها واستعارة غيرها من لغات أخرى، لذلك أعتقد أن ظاهرة استخدام الحروف اللاتينية من قبل بعض الشباب على وجه الخصوص ما هي إلا ظاهرة وقتية سوف تنتهي بانتهاء هذه المرحلة العمرية ووصولها لسن النضج الذي يتيح لها إدراك خطورة ما تفعله على لغتها وهويتها، وعندها لن يبقى لهذا السلوك أثر لديها، بل ربما دفعها إلى مزيد من التمسك بلغتها وهويتها العربية».
آراء الشباب
جاسم محمد طالب جامعي يقول: «اعتدت على استخدام هذه اللغة في كافة مراسلاتي مع أصدقائي تحديدا، فهي تتيح لي الكتابة بسرعة على لوحة المفاتيح سواء للكمبيوتر أو الهاتف المتحرك، خاصة وأن دراستي جميعها باللغة الانجليزية».
أما سامي عبد الله، طالب جامعي فقال: «رغم إتقاني للعربية بشكل جيد إلا أنني أستخدم في بعض الأحيان هذه اللغة للتواصل مع أصدقائي، وهناك الكثير الذين يستخدمون هذه اللغة وأصبحت مألوفة لديهم، وفي المقابل هناك من لا يفهمها ولا يعرف كيف تقرأ، وبعض أصدقائي يتباهى بمعرفته بها ويعتبرها نوعاً من الرقي، وبالنسبة لي لا أعتقد ذلك لأنها مجرد لغة ليس أكثر».
الطالبة الجامعية رشا سلامه قالت: «منذ صغري وأنا أدرس الانجليزية ولم يكن لدي الاهتمام كثيرا بالعربية رغم أنها لغتي الأم، حتى أصبحت أواجه مشكلة في التواصل مع أقاربي الذين لا يتقنون الانجليزية ولذلك اضطر لإدخال بعض الكلمات الانجليزية في حديثي معهم لعدم معرفتي لمعناها بالعربية، وبالنسبة لي أفضل عند استخدامي لهاتفي المتحرك أو جهاز الكمبيوتر الكتابة بالانجليزية لأنها أصبحت سهلة جدا بالنسبة لي».
غسان خروب


