هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها منطقة «فلي» في إمارة الشارقة التي تبعد عن المدام بنحو 20 كيلومتراً باتجاه منطقة الذيد، حقيقة ذهلت لما وجدته فيها من مزارع وبرك مياه وسدود ومعالم تاريخية أهملتها يد التحديث.

وغفلت عنها إدارة الآثار بدائرة الثقافة والإعلام، مناظر جميلة وهواء عليل نقي، ومزارع خضراء، وجبال سمراء تحيط بها، وأناس طيبون على فطرتهم كعادة أبناء الإمارات، حين يستقبلون الضيف بالحب والترحاب، منطقة تتجدد فيها الحياة ويعيش الناس مع بعضهم بكل الوفاء والصدق، ملامحها التاريخية ظلت كما هي رغم دخولنا الألفية الثالثة.وحصنان من الحصون القديمة، يشيران إلى حقبة من تاريخ هذه المنطقة، ربما تمتد إلى حوالي 200 عام، الأول عبثت فيه يد البشر، حين تحول لفترة زمنية قصيرة لمخفر شرطة، ثم هدم البناء المضاف، وأصبح كالمعلم الصامد الذي ينتظر من يبث فيه الحياة، ويعيد له تاريخه الحضاري، والآخر بقي شامخا وحيدا.

وان بدأ القسم العلوي منه يتآكل بسبب غياب الصيانة والترميم، ولا أعلم لماذا هذا الإهمال، في إمارة تبحث عن ماضيها وحضارتها القديمة، وتقوم بترميم كل ما هو تاريخي وحضاري. كما أن موقع جبل البحيص الذي يقع بالقرب من المنطقة، والذي تم العثور فيه على عدد كبير من القبور التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، ودلالات على أن أهل منطقة البحيص ينتمون إلى فترة زمنية تعرف باسم «العصر الحجري ما قبل الفخاري» ، أقول إن هذا الموقع ليس بعيدا ولكنه يحظى باهتمام ورعاية إدارة الآثار.

بحيرتا زايد

الوصول إلى «فلي» عبر المدام يمر عبر طريق مسفلت، تتخلله إشارات إرشادية لمناطق أخرى، مثل البحائص والثميد وأم الصفاة ويولك وبن حسن، وهي مناطق متجاورة وقريبة من بعضها، وأول ما يصادفك من معالم «فلي» الحصنان القديمان، ثم المزارع التي انتشرت على جوانب الطريق، وهي مزارع لشخصيات ولمواطنين، ويوجد في المنطقة بحيرتان «بحيرة فلي 1 وبحيرة فلي 2» أقامهما المكتب الخاص للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، حيث أولى المغفور له اهتماما ببناء البحيرات والسدود، لما للماء من دور كبير في تكوين مراكز الاستقرار السكاني في الإمارات.

ففي منطقة السهل الساحلي المطل على الخليج العربي استمد السكان احتياجاتهم المائية من الآبار والطوي والافلاج كما هو حاصل في المنطقة، ولكن بعد قيام اتحاد الإمارات تركز اهتمام المغفور له الشيخ زايد في إنشاء البحيرات والسدود، وانشأ بحيرة فلي 1 وبحيرة 2 وعند مرورنا بهما وجدناهما ممتلئتين بمياه الأمطار، وفيها شباب من أبناء المنطقة يمارسون هواياتهم في سباق الدراجات المائية.

حيث قال لنا الشاب هويدن معضد انه اكتشف البحيرتين بالصدفة، فهما تقعان بين أحضان الجبال المحاذية لمحضة العمانية، ووجدهما مكانا جميلا ليمارس هو وأصدقاؤه هواية السباق بالدراجات المائية، بعد أن كانا يذهبان إلى المناطق البحرية في الشارقة ودبي، وحول جمال المنطقة أضاف قائلا:«منطقة فلي منطقة خلابة وتجمع بين مزايا كثيرة، فهي من جانب منطقة تاريخية أثرية، وفيها معالم قديمة مثل الحصون والشريعة والفلوج وأيضا الهواء العليل والنقي، وباعتقادي أنها تصلح لأن تكون منطقة سياحية، مثل ما أصبحت منطقة «البداير» منطقة جلب للسياح الأجانب والمقيمين والمواطنين،.

كما يوجد فيها العديد من المزارع وأشجار النخيل، وأتمنى أن تحظى باهتمام ورعاية هيئة الإنماء التجاري والسياحي، ودائرة الثقافة والإعلام ممثلة بإدارة الآثار». وعن طريقة إنشاء الأفلاج أضاف هويدن: «هي عبارة عن مجموعة من الآبار، حفرت في المناطق الجبلية المرتفعة بالقرب من بعضها، ووصلت فيما بينها ثم شق لها مجرى تحت الأرض، ذو منسوب منحدر ليسمح للمياه بالانسياب، يزداد منسوب الأفلاج في موسم المطر وقديما كانت الأمطار هي المصدر الرئيسي لمد الأفلاج بالمياه».

تاريخ المنطقة

يقول معضد بن علي بن معضد الكتبي: «كنا نسمع دائما من الآباء والأجداد أن منطقة فلي سكنت منذ وقت بعيد، من قبل قبيلة بني كتب «الكتبي» وهي إحدى قبائل الإمارات المشهورة، ويقال هم في الأصل من قبيلة بني تميم المضرية العدنانية، وقد دخلت بتحالفات كثيرة مع قبائل الإمارات، وكذلك عرفت المنطقة بالحصون التي مازالت باقية حتى اليوم تشير إلى تاريخ تلك الحقبة من تاريخ المنطقة.

وقيل من سابق أن أحد الحصون كان يسمى بحصن الشيخ عبدالله بن علي بن هويدن، ومثل هذه الحصون كانت تبنى للحماية من غزو القبائل لبعضها في تلك الأزمنة الماضية، أما اليوم فقد توحدت الدولة بعزائم شيوخها المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وعزائم إخوانهما شيوخ الإمارات، وبلدنا اليوم بأمن وأمان وخير كبير، بفضل من الله سبحانه وتعالى».

لكن الحقيقة انه رغم كل ما كتب عن تاريخ هذه المنطقة وغيرها، فإن هناك حقائق أهملت وطمست رغم معرفة الناس بها في تلك الحقب، حتى صارت نسياً منسياً مع الزمن، مثلما هو الحال اليوم بالنسبة لبعض قبائل المنطقة وكثير من أسرها.

والتي أهمل ذكرها سواء من قبل المؤرخين أو غيرهم، حتى أن المرء ليحتار في نسبة فرد إلى هذه القبيلة أو تلك، بل إن أفراداً من قبيلة واحدة، يعطون إجابتين مختلفتين، وهو ما لمسناه عندما أردنا معرفة تاريخ المنطقة، غير الذي قرأناه في تاريخ الهجرات العرب الداخلية، يشير إلى أن قبيلة «بني كتب أو قتب» انتقلت من مواقعها في جنوب الكويت إلى هجر، ومن ثم إلى الإمارات حيث سكنوا منطقة فلي، ونأمل أن نعرف أكثر عن هذا المنطقة في المستقبل القريب.

وأخيرا نستذكر هذا المثل الشعبي عندما قال: «الكتبي دومه يرحّب بي.. ونيس ولي دعيته يلّبي»، نقتطع هذا البيت الشعري من إحدى قصائد الشاعر سالم الجمري حين تذكر منطقة المدام وهي كما قلنا طريق الوصول إلى منطقة فلي، قال الشاعر: «مرّ به حمده ووديان السهل بالمدام أصبح وقيل به مجيل».

جميل محسن