لحديث الذكريات عبق وإيقاع مؤثر في النفس، فمعه تستحضر صور عديدة لماض لم يعد موجودا بيننا، لتتوجه بها ما نراه في حاضرنا، وهو لا يتوقف عند حدود التجارب الشخصية فقط، وإنما يمتد ليشمل تجارب أخرى اشترك فيها آلاف الأشخاص الذين سهروا وتعبوا كثيرا لتصبح حياتنا أفضل وأسهل.

ولعل مطار دبي الدولي واحد من أروع التجارب التي اشترك في بلورتها العديد من الشخصيات ليجذب اليوم انتباه الجميع بمساحته الضخمة وتنظيمه وحجم العمليات التي يقوم بها، والتي جعلته من أضخم المطارات في المنطقة العربية، لاعتماده سياسة الأجواء المفتوحة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وبلا شك أن أروقته لاتزال تشهد على عظمة الجهود التي بذلها المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله في ذلك، ومدى رؤيته الثاقبة لدرجة قيامه بتخصيص أرض للمطار في جبل علي والذي يتوقع أن يبدأ العمل فيه بمنتصف العام الجاري. مسيرة المطار يوجزها لنا محمد أهلي المدير العام لهيئة دبي للطيران المدني، من خلال تجربته الطويلة التي قضاها بين أروقة المطار، حيث يقول: بدأت العمل في مطار دبي الدولي في 19 نوفمبر 1966، وتدرجت في العمل الوظيفي حتى وصلت إلى منصبي هذا، وأول عمل قمت فيه كان في وكالة «دناتا».

لم يكن لدينا في ثلاثينيات القرن الماضي مطار بمعنى الكلمة، إنما كان عبارة عن «ستريب» على الخليج، وأول طائرة برمائية حطت في دبي كانت عام 1937، حيث اتخذت من مياه الخليج مهبطا لها.

مبنى بسيط

كنا نعمل في المطار القديم وكان عبارة عن مبنى صغير تتم فيه عمليات الملاحة الجوية، لم يكن فيه سوى أربع كاونترات، ثلاثة منها للمسافرين والرابع مخصص للشحن، ولم يكن فيه سوى حزام واحد للعفش، وكانت عملية تحميل وإنزال العفش تتم يدويا، وحينها كان المطار مفتوحاً ولا يوجد فيه رجال أمن ويمكن لأي شخص التجول فيه بحرية، ولكن اضطررنا لهدم المطار القديم لإنشاء قرية الشحن، ولو كان بالإمكان الاحتفاظ به لأصبح اليوم من معالم دبي البارزة.

عندما بدأت العمل في المطار عام 1966 لم يكن لدينا المعدات التي يحتاجها أي مطار مثل تلك التي تساعد في تحميل وإفراغ الطائرات، وإيصال الهواء البارد إلى المقصورة لتبقيها باردة، ومعدات تزويد الطائرة بالكازولين والكهرباء وكذلك المعدات التي تقوم بتنظيف الطائرة وحماماتها، وكنا نستأجرها من الخطوط الجوية البريطانية، ولم يكن لدينا سوى درج واحد وأذكر أننا صنعنا درجاً آخر من الخشب كنا نستخدمه لطائرات «دي سي 3».

كان مهبط المطار مصنوعاً من الرمل المضغوط، وكان يضاء ليلاً بمادة الكازولين وتم الاستعاضة عنه بالكهرباء بعد افتتاح المهبط الجديد والمصنوع من الاسمنت عام 1971، وكان هناك أيضا محطة إطفاء ومبنى محطة الطيران، وكافتيريا صغيرة تبيع السندويشات والمشروبات الخفيفة، بالإضافة إلى سيارة واحدة لجمع الموظفين من بيوتهم وتوصيلهم إلى المطار.

في تلك الأثناء كانت الخطوط الجوية البريطانية هي المسؤولة عن تدريبنا، حيث كانت تأخذنا على حسابها إلى بريطانيا وتحديدا إلى محطة فكتوريا، حيث يوجد مركز للتعليم وخدمات الطائرات، وبالنسبة لي فقد ذهبت في ثلاث دورات، واحدة لإصدار التذاكر البسيطة واستقبال المسافرين وتوزيعهم في الطائرة، والثانية خاصة بعمل توازن للطائرة والمحافظة على سلامتها، أما الثالثة فكانت تتعلق بأمن الطائرات.

وخلال هذه الفترة كانت أعمال الإنشاء قد بدأت في المطار الجديد، وانتهت مع بداية السبعينيات، حيث قام المغفور له الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله بافتتاح المبنى وهو جزء من المطار الحالي في العام 1971، وأذكر أنه تم افتتاح المطار بطائرة «كوميت» تابعة لطيران الشرق الأوسط.

وفي تلك الأيام كانت تحط لدينا الطائرات الإيرانية وهي من نوع «دي سي 3»، وطيران الشرق الأوسط الذي كان يستخدم طائرات «كوميت»، والطيران السوري الذي كان يستخدم طائرات «كارافيل»، والخطوط الجوية البريطانية التي كانت تستخدم طائرات «دي سي 10»، أما طائرات الشحن فكانت تستخدم طائرات «دي سي 6»، كما كانت تأتينا طائرات من الدول الاشتراكية مثل رومانيا وتشيكوسلوفاكيا.

ضخامة لا تكفي للنمو

بعد تحويلنا إلى المطار الجديد في مايو 1971، كنت أعمل في وظيفة ضابط مناوبة، اعتقدت أن هذا المبنى أنشئ ليخدم الإمارة لخمسين عاماً لضخامته، فقد كان يحتوي على عدد كبير من المكاتب ومنطقة للطوارئ تتسع لـ 400 سرير، وقسم للتموين، ومنطقة حرة تحتوي على 14 محلاً، وممشى إسمنتي دائري لتسهيل الحركة، وقسم للوصول والإقلاع وغيرها.

ورغم ضخامة المبنى إلا أننا لم نجد بعد ثلاث سنوات من إنشائه مكاناً لتأجير شركات الطيران، ولم تعد المساحة المخصصة للعفش وحتى التموين كافية، وكنا نحتاج لمساحة أكبر، ولذلك اضطررنا لإلغاء قسم الطوارئ وإضافته لقسم التموين، وتحويل المناطق المخصصة للحدائق إلى مكاتب لشركات الطيران، حتى المنطقة الحرة بدت ضيقة جدا بالنسبة لحجم العمليات التشغيلية في المطار وكنا نحتاج إلى توسيعها لتلبية الطلب المتزايد عليها.

كل ذلك كان نتيجة النمو الهائل الذي شهده المطار بعد عام 1971، لدرجة أننا اضطررنا إلى تعيين بعض الموظفين بدون إخضاعهم لأي امتحان وذلك لنتمكن من مجاراة النمو الهائل الذي يشهده المطار، ونتيجة لكبر حجم العمليات التي كانت تتم في المطار قمنا بوضع بيوت جاهزة «كرافانات» بالقرب من ساحة الطائرات.

وفي الوقت ذاته كانت هناك شركة تقوم بعمل دراسة للمبنى الثاني، والمشكلة التي كانت تواجهنا باستمرار هي النمو المتزايد وللتخلص منها قمنا بوضع خطة خمسيه متجددة باستمرار، وبتقديري أن سبب النمو الهائل الذي حدث هو اعتماد المطار لسياسة الأجواء المفتوحة منذ الثلاثينيات، ولم يحدث أن رفض أي طلب للنزول في المطار وحتى الآن فنحن نجيب على كل طلب هبوط في غضون نصف ساعة، بالإضافة لذلك التسهيلات المقدمة لشركات الطيران.

هيئة الطيران المدني

ومع افتتاح المطار الجديد تم تأسيس هيئة دبي للطيران المدني بناءً على مرسوم المغفور له الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله، وعين الشيخ مانع بن خليفة آل مكتوم رئيسا لها، وأصبحت هي المسؤولة عن إدارة المطار ومن قبلها كانت وكالة دبي للطيران هي التي تتحمل مسؤولية الطيران المدني وكذلك المناولة الأرضية وتسهيلات المسافرين، أما عملية المراقبة الجوية فكانت تتولاها شركة «انترناشيونال اراديو ليمتد ؟ أي ايه ال» البريطانية بالاتفاق مع حكومة دبي، وبعد إنشاء هيئة الطيران المدني أصبح الاتفاق مباشرة بين الهيئة والشركة البريطانية.

في عام 1983 انتقلت بمرسوم من وكالة الدناتا إلى الطيران المدني، حينها كان محيي الدين بن هندي يشغل منصب المدير العام، وبدأنا فورا بإعداد جيل مواطن ليتسلم عملية المراقبة الجوية، وقد ساعدنا في ذلك إنشاء طيران الإمارات في أكتوبر 1985، وتعيين سمو الشيخ أحمد بن سعيد، رئيسا لهيئة الطيران المدني، ومنذ ذلك الحين أصبح لدينا مهندسين في مجال الطيران، وحالياً يوجد لدينا 12 مهندسا، ونحو 30 فنيا و40 مواطنا للمراقبة الجوية، تسعة منهم حاصلون على شهادات في مراقبة المنطقة.

غسان خروب