الحديث الطاغي هذه الأيام عن الأسعار وارتفاعها والأزمة المالية العالمية وتداعياتها في أميركا والدول الكبرى، وسلامة الاقتصاد في الدولة وعدم تأثره بالأزمة المالية العالمية.
وهو الحديث الشاغل في كل الأوساط طبعاً الإعلامية وخاصة في الصحف اليومية. وكل صباح لا بدّ منْ رشف الأخبار والعناوين الاقتصادية مع قهوة الصباح، لكن رد فعل القارئ أو (المستهلك) بمعنى اصحّ عاديا بل ويسرع إلى قلب صفحة الصحيفة إلى أخبار الفن والفنانين والموضة لينسى ما قرأ، لقد اعتاد على هذه العناوين البعيدة عن الواقع، فكم مرة قرأنا في الصحف اليومية اجتماعات وقرارات لهيئة حماية المستهلك ولوزارة الاقتصاد ولحملات التفتيش الدورية على المحال والمراكز والبقاليات والمخابز... والخ..
ولكن لابدّ أولا منْ توجيه الشكر لكل منْ يساهم بذلك وخاصة جمعية حماية المستهلك لأنهم يعلمون بالفعل أن هنالك تجاوزات من البعض للأسعار في السوق، ولكن الواقع أن كل تلك الحملات توجه إلى المحال الصغيرة وصغار التجار، بينما كبار التجار وكبرى المراكز تنعم بالأسعار كما يحلو لها دون ملاحقة من وزارة الاقتصاد أو لجنة حماية المستهلك.
فمثلا شركة اتصالات منْ منَ الجهات الحكومية ذكرتها بكل تلك الحملات علما أنّ أسعارها ورسومها أغلى بكثير من الدول المجاورة وحتى الفقيرة، وخاصة المملكة العربية السعودية وفوق ذلك فقد خفّضت السعودية منْ فترة بسيطة 70%من رسوم الإنترنيت والمكالمات، ونعلم جميعا أن دولة الإمارات لا تقل مكانة ولا إمكانية عن الشقيقة السعودية، ونراها تعرض عرضاً مغرياً بالتقسيط المريح و... و..... جهاز (آي فون جي3) ولكن بعد الاستعلام عن سعره الإجمالي أتفاجأ بأنه 5400 درهم لا غير فمنْ ذا الذي سيحمل هذا الجهاز إلا إنْ كان دخله الشهري أكثر من 25 ألفاً ولا يحتاج التقسيط، ولا ننسى أنّ الصحف ذكرت أنّ أرباح اتصالات بلغت 4, 38 مليار درهم! ما شاء الله ولا حسد ألا يكفي برأيكم مبلغ 5- 10 مليارات درهم ربحاً سنوياً؟
وحتى شركة دو المتكاملة عروضها غير واقعية، كما أن رسوم خدماتها أغلى من رسوم اتصالات، ولم يحدث أي تنافس بين الشركتين ليعود نفعه على المستهلك بل على العكس.
وأما النفط فقد ارتفع ارتفاعاً سريعاً وبلغ أعلى سعر للديزل والبترول والكل استجاب ورضي بالأمر لأنّ الواقع فرض ذلك فقد تجاوز البرميل عالمياً 148 دولاراً، ولم يرتفع سعره بالدول المجاورة كما حدث بالإمارات، ثم انخفض سعر النفط عالمياً انخفاضاً غير معقول تجاوز 70% فأصبح بمعدل ال40 دولاراً للبرميل ومع ذلك لمْ ينخفض البترول في الدولة أبداً، بل أكّد أحد مسؤولي شركات المحروقات أنه لن ينخفض البترول في الدولة، ووزارة الاقتصاد ولجنة حماية المستهلك لايبدو أنهم مبالون بالشركات الموردة للمحروقات، ولم يُذكر باهتماماتهم، فما السبب؟ ولا يمكن لأحد تخمين السبب لذلك.
ومن فترة قليلة قرأنا وعلى فترات متلاحقة قراراً بتخفيض أسعار الديزل شكرنا الله أن أسعار الديزل تنخفض درجة درجة، وآخرها ما تمّ تخفيضه وهو 70 فلساً ليصبح 40, 9 دراهم ومنْ متى؟ منْ يوم الإثنين16/3 2009/.
ويبدو أسلوب التدرج في التخفيض كأنه إبر (حقن) بنج يأخذها المريض من الطبيب المخدّر على دفعات كي لا يؤثر على قلبه ولا يشعر بألم العلاج، هذه من جهة ومن جهة أخرى كم منَ المستهلكين يستفيدون من هذا التخفيض؟ أظن أن الفئة المستفيدة قليلة، ولعلهم أصحاب الشركات الكبرى فقط حيث وسائل نقلها كلها تعمل على الديزل، كما يبدو أن المصلحة محدودة، ولا يبدو أن لوزارة الاقتصاد أو جمعية حماية المستهلك علاقة بذلك.
وكالات السيارات وأصحابها رفعوا أسعار السيارات الجديدة بوكالاتهم ويرفضون مسايرة السوق العالمي بالانخفاض، مستغلين حاجة الناس للسيارات وجشع المعارض المستعملة فأصبح الجديد أولى.
البنوك هي الأخرى رفعت نسب مرابحاتها وفائدة قروضها أيضاً دون رقابة أو حصر من الجهات المسؤولة عليها، وكذلك فرض البعض رسوما إضافية على معاملات العملاء، والأغرب منْ ذلك غفلة بعض البنوك عما يجري داخلها من اختلاسات وتلاعب فقد اندهشنا ونحن نقرأ خبر من استولى على 8 , 1 مليار درهم في أحد البنوك الكبرى من عام 2004 إلى حينه دون أنْ يشعر به أحد، ثم يأتون ويشددون على المتعاملين البسطاء بالروتين والموافقات والأوراق المطلوبةً.. إلخ.
وحتى المواد الاستهلاكية الضرورية، لم يلحقها أي انخفاض حقيقي، وما هو إلا كلام مخدّر للمستهلك فالرز والطحين والزيوت النباتية والمعكرونة والألبان والجبن وباقي المواد الأساسية للناس ظلت محافظة على أسعارها، حتى الخبز فقد تقيد البعض بالأسعار الجديدة ولكن تلاعبوا بالوزن فأنقصوا الربطة رغيفاً.
فيا وزارة الاقتصاد ويا لجنة حماية المستهلك الكرام نحن بحاجة للبنزين والمواد الغذائية الضرورية لقيام وقوام حياتنا، ولسنا ممن يسعى إلى العقارات والديزل والأراضي، فنحن من الغالبية التي بالكاد تكتفي وتكفي معيشتها.
محمد أيمن الخطيب ـ الإمارات