بيت المقدس كلمة تشكل حروفها نمطاً موسيقياً رائعاً يرسم في أذهان سامعها إجلالاً وإكباراً لجميع أيامها وفصولها الحلوة والمرّة، وتاريخ طويل يضم في ديوانه أعظم البشر وأرقى الحضارات وأكمل الأديان.
إنها بيت المقدس، سراط الملوك وميدانهم، بها يعرفون أو ينكرون، قبلة المجد وعرين العلا، ملتقى الأحباب ومفترق الأضرار، ربوة العظماء ومقصلة الضعفاء، ميزان الحق والباطل، لها من الشرف ما يكفي، ومن العز ما يكفي، ومن البهاء ما يكفي، لأن تكون ـ هي وحدها ـ سيدة الكون قاطبة، وتاج الممالك والمدائن وفخرها.
هي التي لا ريب فيها قدس الأقداس ورحى الأديان ومحراب الأنبياء، فيها معراج محمد، وخطى المسيح، وأيام موسى، وبقية الخير.. لها دموع لا ترى تجري كساقية عذبة تحمل الهم والحنين والشكوى إلى حيث يرقد أولئك الرجال الذين صدقوها فصدّقتهم، وعرفوها فعرفتهم، وبذلوا فيها مهوراً غاليات فزودتهم من حوض مجدها ولم تبال، فعماد الدين زنكي ونور الدين وصلاح الدين رجال عرفوا بالقدس، وأتعبوا الملوك من بعدهم، فكان مثالهم ملهماً لبعضهم، ومحرجاً لكثير منهم، والشعوب لا تكف عن المقارنة. لقد صنع نور الدين منبراً لها، وقاتل ليكون فيها، وقد كان وبذل صلاح الدين عمراً لتطهيرها، وقد كان، ونحن الآن نصنع الأوهام والأعذار ونقاتل كي تصدق القدس أوهامنا وأعذارنا فيها، ولم يكن لنا ذلك.
كلما نادت القدس لكي نراها أو نسمع ما تريد أن تقول، نشكل لها اللجان ونرسلها أو لا نرسلها، ونضع الشروط على الشروط، ونبدع بنسج الستائر المائية لتواري ما نحن فيه، ولم ندر بأن القدس عين لا تنام، ترى وتسمع كل شيء، وتنفذ إلى كل القصور وقاعات المؤتمرات، وتعلّم ما في السطور، وما يكون بينها ولو أصغينا قليلاً لسمعناها تقول: «إنني منكم ولو كنتم في بروج مشيّدة».
إننا ندعي بأن الوصول إليها يقتضب إزالة كل العواقب وهي منا ونحن جعلناها في الوجود وإننا لمخطئون بزعمنا هذا فليس مهماً أن يتوحد العالم تحت جناح فرد، وليس مهماً بناء قاعات تكون فيها على طاولة مستديرة تجمع الأجساد وتشتت القلوب، وليس مهما أن تتنازل طوعاً أو كرها ـ على شيء نعتقد بأنه ملكنا فليبقى كل شيء كما هو ولتتوحدالاراء لدى الجميع في المضي على درب الوصول والغاية الكبرى، بلا ذهن شريد أو دموع عابرة إلا أننا نريد أن نزيل الجبال لنرى القدس، ولا نريد صعودها.
أما الذين يظنون أنهم في القدس باقون ويرسمون النقوش القبيحة على وجهها الوضاء ويجتهدون في وضع الخرائط والمخططات لضمها أو محوها أو رميها إلى الأفق البعيد، أولئك ناقصو حظ وإدراك ففي كل يوم ينظرون إلى سير من كان قبلهم ممن مروا من القدس وردوا من القدس ولا يعتبرون، وفي كل يوم يسمعون ألف حكاية عن نصرها ولا ينصتون ولو أنهم سألوا من قبلهم من الغزاة لقالوا لهم بأن ذلك المكان هو مذبح الخبثاء لا شبر فيه لغاز ولا مكان فيه لطامع ولعرفوا بأنهم ؟ مهما طال المدى ؟ من القدس مارون.
خالد عبدالله الشنان ـ سوريا
