كثيراً ما يواجه أولياء الأمور مشاكل متنوعة مع أطفالهم في الحياة اليومية كالعناد والبكاء الدائم والمشاكسة والعصيان والشقاوة، حيث توجه إليهم في سبيل ذلك النصائح والأوامر وغيرها من الأساليب التي تختلف تبعا لكل موقف.
ولكن تظل العادات الاستهلاكية المسرفة عند الأطفال بحاجة ماسة إلى ضبط ورقابة شديدين وتعديل مسار من الأهل الذين يقعون في الحرج عندما يصحبون أطفالهم إلى أي مكان وخصوصا في أماكن التسوق والمراكز التجارية، حيث تكثر فيها المطالب والاحتياجات، فيضطر أولياء الأمور مذعنين في موقف لا يحسدون عليه لتجنب الإحراج، الأمر الذي يساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تعزيز هذا السلوك غير السوي ما يولد عادة «الإسراف» الخطرة عند أطفالهم.أسئلة كثيرة تطرح أمام عدد من المعنيين في استطلاع ظاهرة الإسراف في المصروف اليومي لطفل المرحلة الابتدائية، حيث انتقلت العدوى إلى رياض الأطفال. والذي يتزايد من درهم إلى درهمين إلى خمسة دراهم، فأصبح حاليا من غير المستعجب أن تكون يومية أي طفل ما يقارب 50 أو 100 درهم أو أكثر كلا على حسب إمكانيات الأسرة.
وفي الإطار ذاته أشار عدد من أولياء الأمور في المنطقة ضمن استطلاع عن آرائهم بأن أبناءهم يشعرون بالنقص عندما يجدون أطفالاً آخرين يمتلكون مبالغ كثيرة، وفي هذا الإطار يعمدون لا إراديا إلى مجاراة ذلك بمنح أبنائهم مبالغ مماثلة حتى لا يصبح هناك مقارنات في المستوى المعيشي أو مرتع للحسد والغيرة، أو حتى لا تدفع أبناءهم إلى ارتكاب سلوكيات خاطئة كالسرقة أو التمارض في سبيل ذلك في حال عدم تلبية مطالبهم، في الوقت الذي يرى من حوله من الأطفال غارقين في الإسراف.
حيث أكدوا بأن ذلك ليس بجهل منهم بقدر ما هو شعور عارم بالمحبة لأبنائهم عندما يشعرون بأن مثل هذه التصرفات تقلل من شخصية أبنائهم أمام أقرانهم. غير أنهم ذكروا في الوقت ذاته بأن ذلك شجع أبناءهم على تبني سلوك إسرافي في أغلب الأوقات وسبب ضغطا ماليا كبيرا في بعض الأحيان ومشاكل أسرية.
تدليل ودلع
شيخة سعيد معلمة مجال «1» تأنيث بدبا الحصن تقول إن الطفل يكتسب هذه العادة الاسرافية من نمط المعيشة في البيت، وثانيا التدليل والدلع الذي يحصل عليه من أحد والديه أو كلاهما معا ما يعزز منه كسلوك خاطئ إلى جانب غيرها من السلوكيات الخاطئة، إذ إن الطفل المدلل يجبر والديه على النزول تحت رغبته ويعطيانه ما يريد دون مراعاة لحقائق أساسية في التربية، قد تجعل من هذا الطفل غير مسئول ولا يقدر الاحتياجات الهامة التي من المفترض القيام بها.
فتكون شخصيته وسلوكه غير مسيطر عليها، فهو يستطيع أن ينال ما يريده دون أن يعرف لماذا يريد الحصول عليها أساسا، مستدلة بشواهد من تصرفات الأطفال خلال الفسحة منها استهانة الطفل بما يملكه من مال، فيقوم بمنحها لأطفال آخرين أو عدم الاكتراث لها في حال وقوعها بالأرض أو شراء وجبات غذائية كثيرة ليستنفذ ما لديه من نقود.
وأشارت شيخة سعيد - كحل من وجهة نظرها - بأنه إذا رأى أحد الوالدين أو كلاهما إسراف أطفالهم في الطعام أو الشراب أو غير ذلك عليه أن ينبه بأن هذا الشيء مذموم ويذكره بقول الله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا)، إلى جانب تبيان المضار الصحيحة لهذا الإسراف. فضلاً عن تكليف الأطفال بأعمال متعبة تجعلهم يعرفون قيمة الحصول على المال أو إيجاد حصالة في البيت لوضع ما يتبقى لهم من مال فيها.
وبينت المعلمة خولة بأنه أثناء الفسحة المدرسية ترى تدافع الطالبات من أجل شراء المأكولات، حيث يبالغن في الشراء وذلك بسبب مبالغة الأهل في إعطائهن مصروف المدرسة لدرجة أن بعض الطالبات يحضرن ومعهن 10 أو 20 درهما أو أكثر، ويصرفن هذا المبلغ بأكمله أثناء الفسحة وهذا يدفعهن إلى تعلم الإسراف وعدم المبالاة.
ومن واجب أولياء الأمور إعطاء مبلغ معقول يتناسب مع الاحتياجات الغذائية الموجودة في مقصف المدرسة وخصوصا وأن هناك شكاوى عديدة منهم في حال رفع أسعار الوجبات في المقاصف، مع أخذ وجبة صحية من المنزل مكملة لما سوف يشترينه من المدرسة مع تعليمهن عادة الادخار وتنمية شعورهن بالآخرين من الفقراء والمحتاجين والمعوزين ومعاناتهم. ناهيك عن مكافأة الطفل على السلوك الحسن والثناء عليه والإشادة بما يفعل وتنمية إحساسه بالمسؤولية حول الإنفاق الشخصي «من أين اكتسبه وفيم أنفقه».
غياب الوعي الأسري بخطورة إسراف الصغار تهديد لمستقبلهم
أوضحت الاختصاصية الاجتماعية هدى خصيف مدرسة الماسة للتعليم الأساسي بأن مشكلة التبذير في المصروف اليومي للطالب قد باتت مشكلة تعاني منها بعض المدارس. مبينة من وجهة نظرها بأن التبذير في مصروف الطالب يؤدي إلى عوائق مستقبلية منها عدم تقدير الطالب للجهد المبذول للحصول على المال، وعدم اكتراثه لنعمة المال والاتجاه السليم لصرفه فيه، وقد يثير مشكلة الطبقات بين فئات الطلبة المختلفة اقتصاديا.
لافتة من ناحية أخرى إلى أنه لا مانع من إعطاء مصروف يومي للطالب، ولكن بحدود المعقول وذلك لتعويده على تحمل مسؤولية ما بجيبه، والتعود على كيفية التعامل مع النقود والأخذ بمبدأ الأخذ والعطاء. كما ترى الاختصاصية هدى بأن الحل لهذه المشكلة تتمثل بأهمية توعية الأهل بسلبيات وإيجابيات المصروف اليومي، وتحديد ما يلزم الطالب من نقود خلال فترة الدوام الرسمي.
وفي الإطار ذاته أوضحت اختصاصية اجتماعية في إحدى المدارس بمكتب الشارقة التعليمي بأن الحديث عن الإسراف لدى الأطفال يتشعب حيث يشمل جوانب عديدة منها الإنفاق والمأكل والمشرب والترفيه والملبس وغيره، والباب الأساسي لظاهرة الإسراف تنطلق من غياب الوعي لدى الأسرة بخطورة السلوك الاستنزافي للموارد وأيضا الدلال من خلال تلبية كافة المطالب كون الأطفال يولدون على الفطرة إلا أن الآباء يشكلون تلك الفطرة على حسب تنشئتهم لهم، لافتة إلى أن توفير المال لدى الأبناء في كل الحالات، وعدم الشعور بمسؤولية المحاسبة على وجوه إنفاقه.
وكذلك جهل الأهل بأصول التربية وغرس العادات السليمة لدى الطفل، إضافة إلى سوء الفهم لدى الأسرة والظن بأن تلبية مطالب الطفل وأن تجاوزت الحد المعقول تعبر عن مقدار حبهم له، كل تلك الأسباب تخلق أطفالا مسرفين ومتعالين في نفس الوقت. وهذا عكس ما تربينا عليه بالمقارنة مع آباء وأمهات اليوم، حيث كان أهالينا جميعهم أميين.
مشيرة إلى وجود ظاهرتين متأصلتين وسائدتين في المجتمع الإماراتي إحداهما محمودة ومتعلقة بالكرم وحسن الضيافة، والأخرى مذمومة وتتمثل في الإسراف والذي يندرج اليوم في معدلات الاستهلاك العالية والإنفاق، موضحة بأن لا يمكن إصلاح المشكلة ما لم تصلح أحوال الأسرة ويكون هناك نظام اقتصادي حكيم وترشيد استهلاكي تطبقه الأم والأب ويطبق هذا على نطاق الأسر والمجتمعات. ويكون هذا النظام بمثابة النهج الذي يحدد للأطفال في كيفية تعاملاتهم مع الأشياء والأحداث في مختلف مراحل حياتهم.
أهمية التربية الدينية
يؤكد فضيلة الشيخ حسن علي أبو العينين الواعظ الديني بالهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بالفجيرة أن الإسلام نهى عن الإسراف والتبذير في كل حال سواء في المال أو في غيره حتى في تربية الأولاد، فكان الصحابي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤدب الرجال من المسلمين بقوله: «اخشوشنو»، ثم يعلموا أبناءهم هذه الخلق لعدم الترف والأخذ بالبذخ مخافة أن لا تدوم النعمة، فيتحرج كل ما عنده مال وذهب عنه .
وبالتالي يصاب بما لا يريده الله من العبد وهما اليأس والقنوط أحيانا. ومن هناك كان الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون أبناءهم الأخذ بالأسباب والاعتماد على الذات دون الاعتماد على الآخرين. مضيفا بأن أبناءنا اليوم لو تم تربيتهم على الاعتماد على الغير، لما استطعنا أن نستفيد من مجهوداتهم في المستقبل.
وذكر أبو العينين بأن الإسلام جعل الوصاية على مال الصغير أمراً من أمور ضبط الأحكام في الإسلام، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا). ونسب المال إلى الوصي ولم ينسبه للسفيه كون ذلك لا يحسن التصرف فيه، ثم أمرنا أن الأطفال إذا ما بلغوا الرشد أن نعطيهم أموالهم. كما قال سبحانه وتعالى : (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم)، هذا إن كان المال مال الصغير فهو يُحرم منه لأنه لا يحسن التصرف فمن باب أولى أن لا يعطي من مال غيره.
ناهد مبارك

