لايتوقف موضوع حماية البيئة عند حدود النفايات وطرق إعادة تدويرها على الرغم مما تحمله هذه النفايات من مخاطر جمة من شأنها التأثير على البيئة، بل أصبحت الأمور البيئية في ظل التسارع اليومي الذي نعيشه تشمل العديد من القطاعات التي نتعامل معها بشكل يومي، وأبرزها هو قطاع السيارات والتي أصبحت وسيلة لا يمكن الاستغناء عنها أبدا.

وبلا شك فإن التوجه نحو استخدام المركبات صديقة البيئة في معظم دول العالم ولو كانت بنسب محدودة إنما يمثل انتصارا لخبراء ومؤيدي البيئة، حيث أصبح الجميع مقتنعين بما نادى به هؤلاء الخبراء منذ عقود، ومع تفاقم الظواهر البيئة بدأت الشركات المصنعة للسيارات تتجه في أبحاثها ودراساتها نحو إيجاد طاقة بديلة للوقود التقليدي «البترول».ولذلك فقد شهدنا تصنيع سيارات تعمل بالطاقة الشمسية وأخرى بالكهربائية والنيتروجينية والغاز الطبيعي وغاز الوقود السائل والايثانول وغيرها، وتهدف مثل هذه التوجهات إلى التقليل من مستويات تلوث الهواء نتيجة لاستخدام الوقود وما ينتجه من عوادم، وقد تربعت المركبات صديقة البيئة على عرش معارض السيارات التي أقيمت في معظم دول العالم خلال العام الماضي.

وفي ظل ما نشهده من حراك بيئي عالمي لم تكن دبي بعيدة عنه، بل ساهمت هي الأخرى في محاولات التقليل من مستويات تلوث الهواء المرتفعة نتيجة للكم الهائل من السيارات الموجودة فيها، وقد أشارت إحصائيات التي أعلنتها بلدية دبي في ورقتها «إدارة نوعية الهواء في دبي» التي قدمتها في المؤتمر العالمي «بيئة المدن 2008» الذي عقد العام الماضي، إلى أن المركبات تساهم في تلوث الهواء في دبي بنسبة 53%، في حين تبلغ هذه النسبة 26% لقطاع الطاقة و21% لقطاع الصناعة، وقد أرجع الخبراء هذا الارتفاع إلى الكم الهائل من المركبات المسجلة في دبي والذي بلغ 541 سيارة لكل ألف شخص مقارنة بـ 111 سيارة في سنغافورة.

مبادرات فعالة

وفي ظل هذه الأرقام كان لا بد أن تبدأ بعض الجهات الرسمية بالتحرك نحو إطلاق عديد المبادرات التي تهدف لخفض مستويات التلوث في الهواء، ومن أبرز هذه المبادرات قيام هيئة الطرق والمواصلات بدبي بتشغيل تجريبي لعدد من مركبات الأجرة الهجينة «هايبرد» الصديقة للبيئة ضمن خطة شاملة لإحلال أسطول مركبات الأجرة بمركبات صديقة للبيئة، وكذلك التشغيل التجريبي للعبرات التي تعمل بالغاز الطبيعي المضغوط بدلاً من الديزل.

وتحسين نوعية الوقود المستخدم في حافلات المواصلات العامة وتطبيق المعايير العالمية لانبعاث الغازات من المركبات في دبي، إلى جانب إطلاقها لمبادرات تشجيع النقل الجماعي مثل برنامج «شاركني» الذي تقوم فكرته على تشجيع الأشخاص القاطنين في نفس المنطقة والمتجهين في نفس المسار على المشاركة في استخدام مركبة واحدة، وكذلك برنامج «أوصلني» الذي يهدف إلى توفير حافلات خاصة لنقل الموظفين من منازلهم إلى مواقع عملهم والعكس.

نظام هجين متطور

وفي إطار حديثنا عن المركبات صديقة البيئة كان علينا تسليط الضوء على تجربة هيئة الطرق والمواصلات في تشغيل مثل هذه المركبات التي بدأت العمل فيها منذ شهر يونيو الماضي، وذلك ضمن أسطول تاكسي دبي، فعن الهدف من اعتماد مثل هذه المركبات يقول عبد العزيز مالك، المدير التنفيذي لمؤسسة تاكسي دبي: «الهدف من ذلك يأتي ضمن إستراتيجية الحكومة للحفاظ على البيئة، حيث قامت الهيئة بوضع خطة لتقليل الانبعاث الناجمة عن استخدام المركبات الملوثة للبيئة.

والتحول نحو استخدام المركبات صديقة البيئة وهناك الكثير منها وهي تعمل بطاقات مختلفة مثل الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية والكهربائية وغيرها، وتتميز هذه المركبات بانخفاض نسبة استهلاكها للوقود مقارنة مع غيرها من المركبات العادية التي تعمل بالبنزين فقط، وذلك بفضل نظامها الهجين المتطور والذي يقوم على جهاز نقل الحركة الكهربائي المتبدل، حيث يعتمد عمل السيارة الهجينة على نظامين للطاقة الأول يعتمد على محرك يعمل بنظام الاحتراق الداخلي للديزل، والثاني كهربائي يعمل بالبطاريات ذات الحجم الكبير التي تتراوح ما بين 300 ؟ 600 فولت.

وهي تعمل في حالات التوقف والسرعات المنخفضة تحت 60 كم/ساعة، وبالتالي فإن ذلك يقلل من هدر البترول بنسبة 25 ؟ 30%، ونوعية البطاريات الموجودة في هذه السيارات لا تحتاج إلى شحن كهربائي في نهاية اليوم إنما يمكنها ذلك من خلال شبكة الكهرباء الموجودة داخل المركبة.

وبحسب توصيات الشركات المصنعة فهي تساهم في حفظ البيئة بنسبة 25 ؟ 30%، ولكن بالنسبة لنا فالأمر متوقف على النتائج المباشرة التي سنحصل عليها بعد عام من بدء تجربتها». ويضيف عبد العزيز: «عندما بدأنا بتطبيق الخطة قمنا بالاتصال مع عدد من الشركات المصنعة للسيارات في دبي، والتي بدورها قدمت لنا ما لديها من سيارات صديقة للبيئة، وقامت كل من شركتي جنرال موتورز وتويوتا بتوريد 20 مركبة (10 مركبات من نوع تويوتا كامري اليابانية و5 من نوع شفرولية تاهو والبقية من نوع شفرولية ماليبو .

وهي من إنتاج شركة جنرال موتورز الأميركية) تعمل بنظام (هايبرد) والتي تستخدم للمرة الأولى في المنطقة، وتم الاتفاق مع الشركتين على تجربة هذه المركبات في دبي لمدة عام بحيث يسمح لنا ذلك معاينة المركبة في مختلف الظروف المناخية خاصة الحارة منها، لمعروفة مدى قدرتها صمودها وفعاليتها، وقد بدأنا بذلك منذ شهر يونيه الماضي وما زال العمل جاريا فيها بانتظار ما تسفر عنه نتائج التجربة من حيث الجودة والتوفير».

أعلى بنسبة 30%

لكن ما هي حدود نجاح هذا المشروع حتى الآن؟، وحول ذلك يجيب عبد العزيز: ''«أعتقد إنه من السابق لأوانه الحكم مدى فعالية أو نجاح هذا المشروع في الوقت الحالي، على الرغم من أن أداء هذه المركبات متوافق حتى الآن مع التوقعات من ناحيتي الراحة والكفاءة، ولكن يبقى علينا أن ننتظر لمعرفة مدى كفاءتها في أشهر الصيف الحارة، لأنه لا يمكننا شراء هذه المركبات بدون الحصول على نتائج مباشرة خاصة وان تكلفة مثل هذه المركبات أعلى بنسبة 30% مقارنة بالسيارات العادية،.

وبالتأكيد في حالة اعتمادها سيكون لدى المؤسسة خطة شاملة للإحلال تمتد على مدار 3 ؟ 4 سنوات، علما بأن المؤسسة تمتلك حاليا نحو 3500 مركبة، والعمر الافتراضي لكل سيارة هو ثلاث سنوات فقط ومن ثم يتم التخلص منها»، وأشار عبد العزيز إلى أنه في حالة نجاح هذه التجربة سيتم تعميمها في دبي ومن ثم إمارات الدولة علما بأنها تقطع مسافات قصيرة ومتكررة في داخل دبي يصل معدلها إلى 450 كم تقريبا يوميا، ومسافات طويلة تصل إلى أبو ظبي.

وقبل البدء في تشغيل مركبات الهايبرد في شوارع دبي، قامت مؤسسة تاكسي دبي بتدريب عدد من الكوادر العاملة عليها حتى يتمكن هؤلاء من التعامل معها، وحول ذلك يقول عبد العزيز: «على الرغم من أن صيانة هذه المركبات تتم عادة في ورشات الشركات المصنعة، إلا أننا قمنا بتدريب عدد من الفنيين و40 سائقا و13 شرطيا لمعرفة طرق التعامل مع هذا النوع من المركبات في حالة حدوث عطل أو حادث ما لأنها لا تشبه في تركيبتها السيارات العادية.

كما قمنا بتزويد كل سائق بكتيب خاص يشرح طرق التعامل معها في حالة وقوع عطل ما، وإلى جانب ذلك تم إضافة جهاز خاص لكل سيارة لتوثيق أي ملاحظة أو عطل يحدث في السيارة حتى يتم فحصها فيما بعد، وجميع البيانات المسجلة في الجهاز يتم إرسالها إلى جهاز كمبيوتر رئيسي في المؤسسة ومن ثم يتم إرسالها إلى الشركة المصنعة التي تقوم بدورها بالتعامل مع العطل».

إشارة مميزة

ولتميز هذه المركبات يوجد عليها إشارات بأنها صديقة للبيئة، ويمكن التعرف عليها من خلال لونها الأخضر وصور الأشجار المرسومة عليها، كما كتب عليها عبارة «مركبة هايبرد»، وفي حالة اعتماد مجلس المؤسسة لهذه المركبات ستقوم الإدارة المكلفة بوضع إشارة عليها تتوافق وهوية المؤسسة حتى يتمكن الجميع من التعرف عليها، ورغم قلة عددها إلا إن هذه المركبات مطلوبة وقد لاقت فكرتها استحسانا واسعا من قبل مستخدمي سيارات الأجرة في دبي خاصة أولئك المهتمين بالبيئة وبكل ما يتعلق فيها.

فروق عديدة

ولدى سؤالنا لأحد سائقي سيارات الأجرة التي تعمل بالطاقة الهجينة بمؤسسة تاكسي دبي عن الفرق بين قيادته لمركبة أجرة عادية وأخرى تعمل بالطاقة الهجينة، قال: «منذ الساعات الأولى التي بدأت العمل فيها على مركبة الهايبرد الهجينة لمست فروق عدة من حيث سلاسة قيادتها، وصداقتها للبيئة، وعدم استهلاكها للوقود بكميات كبيرة أثناء الازدحام المروري، وعدم صدور أي إزعاج من المحرك أثناء القيادة، بالإضافة إلى عدم شعور السائق أو حتى الراكب مطلقا عند تحول الطاقة المستهلكة من الوقود إلى الكهرباء وهذا بالتأكيد أمر مهم جدا».

وأشار إلى أن الكثير من الركاب بدا عليهم الارتياح منذ الانطباع الأول لمشاهدتهم سيارات مؤسسة تاكسي دبي المطلية بحزام أخضر للتعبير عن الطاقة الخضراء النظيفة ومعظمهم كان يسأل عن طبيعة هذه التقنية ومدى فوائدها للبيئة، وقد وجدت الكثير منهم يتمتع بمعلومات وفيرة عن الموضوع وأخذ يشيد بهذه الخطوة المفيدة لكل من البيئة والصحة العامة.

دلال جويد وغسان خروب