إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من المؤسف أن نكتب في أمر يعتبر من البديهيات في شريعتنا الإسلامية، وهو الحض على الصدق والتحذير من الكذب، والابتعاد عن جحر الضب بما فيه من نتن وعفونة وبلاء، فالذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع ما لاحظته من تنامي ظاهرة خطيرة، وهي: افتتان بعض الناس بتقليد القيم الفاسدة الوافدة علينا، وإتباع سنن من كان قبلنا حذو القذة بالقذة، ومن هذه الصور المنتشرة: الاحتفاء بما يسمى «كذبة أبريل» لتكون تقليداً سيئاً من بعض المنتسبين لأمة الإسلام.

هذه الكذبة المرتبطة بالأول من أبريل، ضج منها بعض عقلاء الغرب لما يترتب عليها من المآسي والمخازي، ولكن بعض وسائلنا الإعلامية ؟ هداها الله - الواسعة الانتشار، والقليلة العظة والاعتبار، والبعيدة عن هدي النبي المختار صلى الله عليه وسلم، تروّج لهذه الآفة، وتكثف نشاطها في نشرها، مما جعلها تنتشر بين السذج والدهماء، ونريد أن نؤكد أن ديننا الحنيف يرفض هذه البدعة الخطيرة، ويحرم الكذب تحريماً قاطعاً لأنه طريق الفجور والفحش والمعاصي.

وهذا ما نراه في الوالغين في كذبة ابريل، بل ويتوعد الكذابين بدخول النار والعياذ بالله، يقول صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا» (متفق عليه).

فالكذب في حد ذاته كبيرة من الكبائر، وهو محرم بالاتفاق، ويدل على خسة ودناءة الكاذب، فما بال بعض الناس ـ ممن ينتسب لأمة الإسلام ـ يكذب ويتحرى الكذب في هذا اليوم (الأول من ابريل)، وهو في فرح ومرح، غير عابيء بالإثم الذي يقارفه والفجور الذي يقع فيه، والمصائب التي يرتكبها، وجهنم التي يدنو منها ما لم يتب توبة نصوحا، وقد اجتمعت في كذبة ابريل مفاسد كثيرة لعل من أبرزها: أنها بدعة خطيرة لدخولها في اتباع سنن من كان قبلنا، ومن المعروف ان كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.وأنها كذبة، والكذب كبيرة من الكبائر الشنيعة، وسبيل من سبل النار والعياذ بالله، كما وردت النصوص بذلك. وأنها تضليل للناس، وترويع للغافلين، وإرباك للمجتمع، وهي أمور خطيرة جاء النهي عنها، ولولا مخافة التطويل لسردت طرفاً منها.

وأن فيها تولي أعداء الله عز وجل، بتقليدهم فيما يحبون، وقد حذرنا الله عز وجل من ذلك، فقال جل وعلا: (ولا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) (آل عمران، 28)، ويقول تعالى: (بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا) (النساء، 138 ـ 139).

وأن نشر هذه البدعة الخطيرة يدخل في باب المودة والمحبة لأعداء الله عز وجل، وقد حذرنا الله تعالى من هذه المودة ونهانا عنها، يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق...) (الممتحنة، 1 ـ 2).

لقد أصبح بسطهم للسوء علانية جهاراً نهاراً، وكم من الكتابات والرسم التي صدرت من أعداء الله، وهي تسيء لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ولديننا العظيم ولأمتنا العربية الإسلامية .

كما إنها تدل على انهزامية المقلد، وجهله بدينه، وانحطاط فكره، فتأملوا معي فقد وصلت بنا المهانة أن صرنا نقلد حتى في الكذب، بينما أمتنا في حاجة ماسّة إلى العلوم والتقنية... الخ، التي نحن عنها غافلون.

وتدل أيضاً على الفراغ واللهو والبطالة واستغلال هذه الأمور فيما يغضب الله عز وجل، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (البخاري) فكثير من الناس لا يدرك قيمة هاتين النعمتين، فيضيع منه الخير الكثير، بل ويجلب على نفسه الضرر الماحق.

ونصوص الكتاب والسنة التي تحمي المسلم من الوقوع في هذه المهالك كثيرة متضافرة، نذكر منها قول الله عز وجل: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (ق، 18)، ويقول تعالى: (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) (البقرة، 10)، والكذب يعتبر علامة بارزة من علامات المنافق، يقول صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب.

وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (متفق عليه)، ويقول صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» (أبوداود)، وهذا الحديث يرد على الفئة التي تزعم أنها تكذب مازحة، فالمزاح مسموح به إن كان بدون كذب، وبغير تقليد لمن كان قبلنا، وقد كان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقاً وصدقاً، وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: «ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم، فيكذب، ويل له، ويل له» (أبوداود والترمذي وغيرهما).

وهذا الحديث ينطبق تماماً على مروجي كذبة أبريل، فعندما تسألهم لم هذا الإفك؟ يقولون: إنما نفعل ذلك لإضحاك الناس، وإشاعة السرور بينهم، ونرد عليهم بهذا الحديث الواضح، الذي يبين أن الكذب ليس باباً من أبواب إضحاك الناس، أو اللعب بمشاعرهم، وهم يكذبون حتى في تعليلهم هذا، ففي معظم الأحيان نجد أن هذا الكذب يتسبب في مصائب لا حصر لها.

فنرجو من كافة وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية التحذير والتنفير من كذبة أبريل، وعدم نقل ما يحدث فيها من سفاهات وأكاذيب... الخ، فهذا أمر لا فائدة من ورائه، ولا طائل من تحته، ولا يزيد الناس إلا فتنة ومحنة وبلاءً، فليتقوا الله، وليخلصوا في رسالتهم الهادفة إلى تبصير المجتمع، وتقديم النافع والمفيد له في دينه ودنياه، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

عبد الله صالح حامد - الإمارات