لطالما اعتبر موضوع البيئة من الأمور التي تؤرق الجميع ليس في الإمارات وحسب وإنما في العالم اجمع، خاصة بعد تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وما نتج عنها من تأثيرات سلبية على عديد القطاعات الحيوية في العالم، ومع تزايد مخاطرها خرج علينا الباحثون بكم هائل من التحذيرات من أثار هذه الظاهرة داعين إلى العمل الجدي للحد من مسببات التلوث كمحاولة للتخفيف من أثار الظاهرة الخطيرة.

لقد كان الاهتمام في البيئة ومحاولة تنظيفها من التلوث، مدار اهتمام العديد من الجمعيات البيئية في الدولة، وقد ترجمت ذلك من خلال الحملات التي تنظيمها مثل حملة نظفوا الإمارات وغيرها، وخيوط هذا الاهتمام لم تبق حبيسة الجمعيات فقط إنما امتدت إلى أروقة الشركات والمؤسسات بغض النظر عن نشاطها الاقتصادي.وهو ما يشير إلى بداية وجود وعي بيئي، إلى جانب إنه يمثل بادرة خير لمستقبل البيئة. في المقابل فقد شددت القوانين الاتحادية على ضرورة الاهتمام بالبيئة وتنقيتها من مسببات التلوث، وخير مثال هو مدينة مصدر أبو ظبي التي تعتبر أول مدينة على الأرض خالية من ثاني أكسيد الكربون.

وكذلك قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بتطبيق معايير «المباني الخضراء» على كافة الأبنية والمنشآت في دبي، وفي هذا الصدد كشفت بلدية دبي مؤخرا عن تراجع نسبي في النفايات الإنشائية بنسبة 6% يوميا، لتصل إلى 55 ألف طن يوميا خلال شهر فبراير الماضي، بعد أن كانت 78 ألف طن يوميا عام 2007.وبعيدا عن المباني الخضراء فقد بدأت عملية الاهتمام بالبيئة من عمليات تجميع النفايات تمهيدا لتدويرها، وفي هذا المضمار استطاعت العديد من الجمعيات وحتى الشركات أن تحقق نجاحا ملحوظا، ومنها مجموعة الإمارات للبيئة التي انطلقت مع بداية عقد التسعينات بهدف حماية البيئة الإماراتية عبر تطوير حزمة من البرامج والفعاليات التدريبية والأنشطة الاجتماعية، من خلال وسائل التعليم وتنفيذ البرامج الفعالة ومشاركة المجتمع.

إحصائيات وأرقام

لقد قطعت مجموعة الإمارات للبيئة شوطا كبيرا في مجال تجميع النفايات وتدويرها، وحسب ما تشير الإحصائيات الصادرة عنها فقد تم جمع 78 ألف كيلو غرام من الورق عام 2001 إبان إطلاق المجموعة لحملة «تجميع الورق»، وارتفع الرقم ليصل إلى 500 ألف كيلو غرام عام 2005، وإلى 800 ألف عام 2006، ليصل إلى 1.700.000 كيلو غرام عام 2007.

نجاح مثل هذه الحملات قاد إدارة المجموعة للتفكير بعملية فصل النفايات تمهيدا لإعادة تدويرها لتصبح جزء من عمل المجموعة السنوي، وقد فرض تقبل المجتمع الملفت لها ضرورة إيجاد حاويات مخصصة لذلك تنتشر في أماكن عدة، وحاليا يوجد لدى المجموعة أكثر من 200 مدرسة و450 شركة تساهم في هذه العملية. وبالحديث عن تدوير النفايات يلح علينا السؤال لماذا هذه العملية وما الهدف منها أساساً؟

وفي ذلك تقول حبيبة المرعشي، رئيسة مجموعة الإمارات للبيئة: يقصد بإعادة تدوير النفايات هو فصل النفايات القابلة للتصنيع مرة أخرى ومعالجتها ليتم تحويلها واستخدامها مرة أخرى.

والهدف الأساسي منها هو المحافظة على البيئة من جوانب عدة، فهي تحافظ على المصادر الطبيعية الثمينة، وتعمل على تقليل التلوث والمساحات المستخدمة في مكبات النفايات بإعادة تدوير جزء من هذه النفايات، وتقليل استخدام الطاقة والمياه، والمحافظة على الموارد الطبيعية والتنوع الحيوي، وغيرها.

وهنا تشير المرعشي إلى أن المجموعة استطاعت خلال العام الماضي أن تحقق نجاحا ملحوظا في برنامجها لإدارة النفايات الذي يضم ستة برامج فرعية هي جمع وإعادة تدوير الورق، البلاستيك، الزجاج، الألمنيوم، وأحبار الطابعات والبطاريات.

بالإضافة إلى حملتي «نظفوا الإمارات»، ويوم تجميع العلب المعدنية، حيث نمت حملات جمع وإعادة تدوير الورق بنسبة 34%، والألمنيوم بنسبة 48%، وعلب أحبار الطابعات بنسبة 49%، والبلاستيك بنسبة 167%.

والزجاج بنسبة 300%، وقد تحققت هذه النتائج بفضل مشاركة 78 مؤسسة أكاديمية، و153 أسرة و307 شركة، في حين تمكنت حملة «نظفوا الإمارات» من تحقيق أكبر نجاح لها منذ انطلاقها عام 2001، حيث شارك فيها أكثر من 23 ألف متطوع ساهموا معاً في جمع وإزالة أكثر من 133 طن من النفايات من 44 موقعاً في جميع أنحاء الإمارات.

دعوات حماية البيئة

وعلقت المرعشي على دعوات حماية البيئة التي بدأت تظهر بكثافة في الدولة ومدى مساهمتها في حماية البيئة بالقول: بلا شك إن مثل هذه الدعوات ضرورية، وظهورها بكثافة أمر طبيعي، خاصة وأن البيئة حالياً أصبحت أحد أهم المواضيع المطروحة على الساحة محلياً وعالمياً، في ظل ما نواجهه من تحديات مثل الاحتباس الحراري وخسارة التنوع الحيوي وشح المياه وارتفاع الطلب على الطاقة وارتفاع إنتاج النفايات.

وتضيف: في هذا الإطار شهدت الإمارات إطلاق عديد التشريعات والمبادرات الفعالة لحماية البيئة واستخدام الطاقة النظيفة سواء على المستوى الحكومي مثل الأبنية الخضراء في دبي، ومبادرتي مصدر واستدامة في أبو ظبي، أو على مستوى القطاع الخاص مثل تبني عدد من المتاجر الكبرى استخدام البلاستيك القابل للتحلل الحيوي ومبادرات تقليل استخدام الورق والطاقة والمياه مثل سيتي بنك وشارب، أو على مستوى منظمات المجتمع المدني مثل برنامج مجموعة الإمارات للبيئة لإدارة النفايات.

وبالتأكيد فقد ساهمت هذه المبادرات في تقليل انبعاث الكربون، وتخفيض استهلاك المياه والطاقة، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وتقليل الأثر البيئي للأنشطة الإنسانية، وتقليل إنتاج النفايات وغيرها من الانعكاسات الايجابية على البيئة.

ما ذكرته المرعشي عن مساهمات القطاعين الحكومي والخاص في حماية البيئة بدأنا نلمس آثاره في معظم أروقة الشركات والمؤسسات العاملة في دبي، وهو ما يشير إلى بداية توسع نشاط تدوير النفايات في الشركات، وحول ذلك تقول المرعشي: لقد بدأنا نشهد في الآونة الأخيرة بداية لتوسع حملات تدوير النفايات في الشركات.

وهو ما يعني صعود البيئة لتصبح أحد أهم الأولويات في جداول أعمال الشركات، لدرجة إنها بدأت تدخل في صلب استراتيجياتها الأساسية كجزء من مسؤوليتها الاجتماعية. وقد بدأت العديد من الشركات بإقرار برامجها ومبادراتها البيئية الخاصة بها داعمة بذلك جهود المنظمات البيئية المختلفة في الدولة.

ارتفاع طفيف لمستوى الوعي

دخول العديد من الشركات في إطار حملات المحافظة على البيئة هل يعني ارتفاع مستوى الوعي البيئي في المجتمع، أم أنه لا يزال حتى الآن ضمن مستويات متدنية رغم ما نسمعه من تحليلات خطيرة من الخبراء حول ما يجري في العالم من ظواهر بيئة خطيرة، وحول ذلك أفادت حبيبة: لم يصل مستوى الوعي البيئي بعد إلى المستوى الذي نتمنى أن يكون عليه، وما زال تحت النصف وتحديدا 49% وذلك بحسب دراسة أجرتها هيئة البيئة في أبو ظبي، بينما وصلت نسبة المشاركة والاهتمام بالبيئة إلى 47%.

الشركات تطرح مبادرات لرفع الوعي حول حماية البيئة

ومن منطلق مسؤوليتها الاجتماعية فقد بدأت العديد من الشركات تتجه في برامجها وخططها نحو تعزيز حماية البيئة، وفي هذا الصدد بدأت بعض الشركات بطرح مبادرات بيئية تهدف لرفع مستوى الوعي الفردي حول ضرورة حماية البيئة المحلية، ولذلك كان لا بد علينا أن نسلط الضوء على بعض تجارب هذه الشركات ومن ضمنها تجربة شركة إمداد التابعة لشركة دبي العالمية التي تضم بداخلها عددا من الإدارات واحدة منها اختصت بالبيئة.

وهي تهدف إلى تعزيز الوعي بضرورة حماية البيئة المحلية، وحول نشاط وإدارة إمداد البيئة يحدثنا مديرها التنفيذي محمود رشيد، والمتخصص في العلوم البيئية حيث قال: تعتبر إمداد إحدى شركات تقديم خدمات إدارة المرافق، وهي تتمتع بمحفظة أعمال تشمل مجموعة واسعة من العملاء مثل نخيل وجافزا وموانئ دبي العالمية - الإمارات، وجمارك دبي وغيرها، أما إمداد البيئة فيمكننا القول بأنها عبارة عن نموذج مصغر لبلدية دبي.

وتقوم مقامها بداخل مجموعة دبي العالمية من ناحية تجميع النفايات ونقلها، ومكافحة الحشرات وشفط مياه المجاري ومعالجتها، وقد بدأت أعمالها من منطقة جبل علي الحرة، وحاليا نوفر خدماتنا لأكثر من 6000 شركة، حيث نقوم بجمع النفايات العادية التي تخلفها الشركات العاملة في مجال التغليف والورق وغيرها،.

والمخلفات الصناعية ولدينا سيارات خاصة مرخصة من قبل بلدية دبي لنقلها سواء كانت خطيرة أم لا، وأيضا نقوم بنقل مخلفات المطاعم وهذه يوجد لها سيارات خاصة تقوم بجمعها ونقلها إلى مكب البلدية، ونحن نعتمد في علمنا شروط بلدية دبي ووزارة البيئة للمحافظة على البيئة.

لم يقتصر عمل إمداد على جمع النفايات فقط، وإنما ساهمت أيضا بعملية فصلها تمهيدا لإعادة تدويرها، وحول ذلك يقول رشيد: مع بداية نشاطنا في المنطقة الحرة بدأنا بعملية تدوير النفايات، ولتفعيلها قمنا خلال العام الماضي بتوزيع نحو 500 صندوق مختلفة الأحجام على جميع الشركات العاملة في إطار مجموعتنا البالغ عددها 52 شركة.

ولدعمها قمنا بإنشاء ثلاث مراكز رئيسية عامة في المنطقة الحرة لفصل النفايات، إلى جانب الاتفاق مع مجموعة كبيرة من الشركات العاملة في المنطقة على قيامنا بنقل نفاياتهم بدون مقابل مادي، واستطعنا خلال العام الماضي تجميع 3600 ألف طن من المخلفات، منها 13% يمكن إعادة تدويرها.

لم تتوقف إمداد عند حدود المنطقة الحرة إنما خرجت منها نحو مشاريع نخيل التي بدأت معها عملية تدوير النفايات، وفي هذا الصدد قال رشيد: لقد قمنا بتطبيق مبدأ تدوير النفايات في العديد من مشاريع نخيل فمثلا قمنا بتزويد 1700 فيلا في نخلة جميرا بصناديق خاصة تبلغ سعتها 120 ليتر، واحد بلون أخضر وهو مخصص للنفايات القابلة لإعادة التدوير والأخر بلون بيج للنفايات العادية، وقد وجدنا تعاون ملحوظ من قبل سكان هذه المنطقة، كما قمنا بتطبيق الفكرة في الجاردنز سيتي والانترناشونال سيتي أيضا.

أما عن المشكلات التي يواجهونها في إمداد يقول رشيد: المشكلة الرئيسية التي نواجهها هو عدم استقرار الكثير من الناس لأكثر من ثلاث سنوات في الدولة خاصة الخدم اللذين يتولون غالبا مسؤولية التخلص من النفايات، وللتخلص من هذه المعضلة فقد قمنا بتوزيع البروشورات وعقدنا دورات تدريبية ومحاضرات توعية حول ضرورة المحافظة على البيئة، وقد أدت إلى نتائج ايجابية.

ومنذ تأسيسها طرحت إمداد عديد المبادرات البيئية التي تسعى من خلالها إلى تعزيز الوعي البيئي، وتمثل مبادرة «بيئتي» أخرها ولتفعيلها قامت إمداد بتوقيع اتفاقية تعاون مع مؤسسة التعليم المدرسي، أولى مؤسسات هيئة المعرفة والتنمية البشرية، وتسعى من خلال ذلك إلى تشجيع طلبة المدارس على المشاركة الفعالية في نشر الوعي البيئي.

وتستهدف المبادرة مجموعة من المدارس المنتقاة في دبي على أن يتم توسيعها في المستقبل لتشمل مجموعة أخرى في الدولة، ويتضمن برنامج المبادرة نشاطات تثقيفية ميدانية ومسابقات وعروض وثائقية تتناول مفهوم البيئة في المدارس، بالإضافة إلى تعزيز الوعي بأهمية عمليات إعادة تدوير النفايات التي تعد عنصرا هاما في مجال حماية البيئة والصحة.

دلال جويد وغسان خروب