لم تزل مظاهر عقوق الأبناء لآبائهم هي الأسوأ من الناحيتين الإنسانية والاجتماعية، ولم تزل المشكلة تتخذ أشكالاً متنوعة، إلا أن أحداً لم يفكر في الوجه الآخر الذي يندر وجوده وهو قسوة الآباء في معاملة أبنائهم إلى الحد الذي يثير لدى الآباء مشاعر الندم. حكى لي صديق مسن عن شاب تقدم طالباً الزواج من ابنته الوحيدة التي تعيش معه، وبعد أن تأكد بنفسه من أخلاق الشاب وجديته في الارتباط، وبعد مصارحة الابنة لوالدها بثقتها في الشاب ورغبتها في الاقتران به.. اتخذ قراره بالرفض لأن هذا الشاب يريد اصطحاب الابنة بعد الزواج إلى الخارج حيث مقر عمله.. وبعد مناقشات أصر الأب على موقفه ولم تجد الابنة بداً من الصمت خاصة وأنها تكن لوالدها الحب والاحترام ولا تريد دخول دائرة العقوق بأية صورة.
واقترنت الابنة بزوج آخر تقدم لخطبتها عقب سفر فتى أحلامها، ومرت السنوات والأب يعتقد أن ابنته تعيش أجمل أيام حياتها، خاصة وأن ابتسامتها لم تفارق شفتيها خلال زياراتها الأسبوعية لوالدها. وبعد خمس سنوات كاملة مرت على زواج الابنة.. فوجئ بها تعود إلى منزله وتبدي رغبتها في تدخله لمساعدتها في الانفصال عن زوجها بسبب سوء معاملته لها.. وتبين للأب أن الابنة تعيش واقعاً مؤلماً مع زوج لم يرع الله فيها، وأنها تجنبت إظهار جوانب المشكلة حتى لا يتهمها الوالد بالعناد.
أحسست بالألم يعتصر الرجل ولمحت دمعة تسللت من بين جفونه المتكسرة بفعل الزمان.. قال متحسراً: الآن أدركت كيف كنت مخطئاً في حق ابنتي عندما رفضتُ الإنسان الذي اختارته هي.. أدركت أن سعادتها حتى وهي في المهجر خير لي من تعاستها وهي بين أحضاني.