لم يستطع المخرج الفنان حسن رجب أن يمنع نفسه من الصعود الى خشبة المسرح مع نهاية عرض «الذي نسي ان يموت» وتحية الجمهور على العرض الممتع الذي قدمه والذي شهد تقديم المونودراما لأول مرة في تاريخه المسرحي في الوقت، وقد سبق هذا إعلان المخرج أنه لا يحب فن المونودراما ولكنه لم يستطع مقاومة اغراء النص الذي قدمه له شريكه في المسرح الكاتب إسماعيل عبد الله، فمضى خلاف قناعاته لأول مرة، وليترك الجمهور أمام فسحة من المتعة والفائدة وهذا ما يحسب له.
عرض رجب لصالح مسرح خورفكان، قدم فيه رؤية فنية راقية لنص يحكي عن غاسل أموات في فكرة قفزت الى رأس الكاتب وبدأ صياغتها وتقديمها وجبة دسمة للمشاهد في عرض مبني على الحكاية والقصة التي تنتمي الى ماضي تلك الشخصية وبالمقابل لم يكن أمام الممثل جمعة علي إلا أن يمضي مع اسماعيل وحسن في تصور ابداعي لا يقل اهمية وليكون العرض شكلا متألقا للمونودراما العربية التي تقدم دون ملل ودون رتابة في المواضيع والمعالجة.
الذي نسي أن يموت، عرض فيه أصوات كثيرة يقدمها ممثل واحد، يخوض حربه وحيدا مع الماضي والحاضر والمستقبل مع لحظة صمت يعيشها مع نفسه، ومع شخصيات تقفز من خياله ليقول لها أنا هنا في هذه الوحدة القاتلة، ووحدها فلسفة الموت والحياة تزوره تباعا وتمضي معه في ذاكرة كي تفتح سجالا مهما ويفتح أبواب حكايات تبدأ ولا تنتهي.
ومع كل تفصيل كان إعجاب المشاهدين يزداد بطقوس العرض ومهارات جمعة علي الذي يستحق أجرا كبيرا عن ثلاث مهام رئيسية قام بها في العرض، ممثلا وغاسلا للأموات ومهندسا للإضاءة! وقد أجهده المخرج في تصميم الاضاءة وتحريكها بيده عبر عدة مصادر اضاءة متحركة لتكون وفق حكايته في اتجاهات مختارة خدمت رؤية العرض الفنية، وربما تعتبر المهنة الأخيرة إنجازا فنيا طيبا على عمل الممثل يضاف لهذا العرض.
أتخم اسماعيل عبد الله هذا النص الجميل بكم هائل من القصص التي لم تترك مجالا للممثل كي يتنفس أو للمخرج كي يهدأ عن الحركة والخيال، وربما يحتاج النص إلى بعض الاختصارات ليكون واحدا من أجمل عروض المونودراما العربية التي قدمت حتى الآن معتمدا على تكنيك الكتابة الدرامية وخبرة المؤلف في توليد الاثارة ورواية القصص المرتبطة ببعضها البعض، والعرض كي يشتد ايقاعه وينتظم أداؤه يحتاج الى التخلي عن بعض قصصه ليحقق مكاسب أضافية فنيا وفكريا.
ريتشارد الثالث حاكما عربيا!
قدم المخرج الكويتي سليمان البسام عرض ريتشارد الثالث في بيت النابودة في الشارقة، ضمن ما يعرف بعروض برنامج ماضي الأيام الآتية لبينالي الشارقة، بعد أن ذاع صيت العرض عربيا ودوليا، معيدا للأذهان مسرحية «قمة آل هاملت» التي قدمها البسام قبل نحو خمس سنوات وجال بها عددا من الدول العالمية، ومؤكدا نزورع الكاتب والمخرج البسام في اسقاط نصوص عالمية على موضوعات الشرق الاوسط أو العكس، وتحميل النص افكارا جديدة حبلى بوليد معاد تكوينه.
وكثيرون تساءلوا لماذا ينتشر خبر تقديم عرض مسرحي لشكسبير بهذه السرعة ولماذا ريتشارد الثالث الآن وبهذه الصيغة الفنية والفكرية؟
ثمة من قال إن الانكليز وغيرهم من المجتمعات الغربية سيطربون حينما يشاهدون عرضا كهذا يؤكد وجهة نظرهم بأن العرب قبائل تحكمهم نوازع عاطفية وتسيرهم رغباتهم الدموية، ولكن على الجانب الاخر من هذا الكلام فإن التقاطعات بين ماضي ريتشارد الثالث الدموية للوصول الى السلطة وبعض ما عرف عربيا في هذا الاطار ربما كان له أثر واضح في تبني البسام للفكرة الأم، آخذين بعين الاعتبار التصريحات التي تسربت عن البسام بأنه يرغب أن يقدم عملا يحكي فيه عن الديكتاتور صدام حسين.
فكرة العرض كما بات معروفا جاءت بتكليف رسمي من الفرقة الملكية الشكسبيرية في بريطانيا وتم تقديمها ضمن مهرجان الأعمال الشكسبيرية الكاملة عبر 12 عرضا في مدينة ستراتفورد مسقط رأس الكاتب العالمي الكبير وليم شكسبير، ليكون أول تجربة عربية تقدم على خشبة الفرقة الملكية الشكسبيرية العريقة، منطلقة بعد ذلك للعديد من الدول منها اليونان وفرنسا والصين وهولندا مختتمة الجولة العالمية على مسرح مركز كيندي الثقافي في العاصمة الأمريكية واشنطن، الان يبدو ان الفرقة تمضي باتجاه تقديم هذه الاحتفالية عربيا وبعد العين جاء العرض للشارقة ومتوقع ان يقدم عرضين في ابو ظبي قبيل انتهاء الشهر الجاري.
جمال آدم
